حكم صلاة النافلة جماعة: متى تُشرع ومتى تُمنع؟

يتساءل الكثير من المسلمين عن حكم صلاة النافلة جماعة، وهل يقتصر فضل الجماعة على الفروض، أم يشمل قيام الليل والسنن الرواتب؟ في هذا التحقيق، نستعرض المراتب الثلاث لأداء النوافل جماعة، ونفصل بين ما هو مسنون كالتراويح، وما هو بدعة يجب تجنبها.
رغّب رسول الله ﷺ في العديد من الأحاديث الصحيحة في أهمية صلاة الجماعة وحث على حضورها، وزجر عن التخلف عنها بما هو أبلغ زجراً وتحذيراً، وبيّن فضلها وأنها أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة.
ودل صريح الأدلة النقلية والعقلية السليمة على مكانتها وفوائدها الإيمانية والاجتماعية، فمن ذلك:
- أنها تزرع – في الأمة الإسلامية – حب الاعتزاز بالشعائر الدينية.
- ترفع قوة شعور الانتماء والمحافظة على الهوية الدينية.
- تغرس في النفوس تربية التعود على الانتظام والانضباط والاتحاد.
وانظر رعاك الله من حيث تنوع أوقاتها، وتوزيعها على مواعيد متجددة فيما بين الليل والنهار، واستمرارها على مدار العمر حتى يأتي اليقين، ثم من حيث كونها تعود بمصالح على الفرد والمجتمع بأحسن العوائد وأجمل الآثار، ومن أوضحها: التعارف، والتعاطف، والتوادّ، والتراحم، والتأسي بأهل الصلاح، وتحطيم الفوارق العرقية والطبقية وهلم جراً، مما يجعل المجتمع مجتمعاً دينياً مثالياً متماسكاً.
ولكن، هل الأدلة المروية في فضل وأجر صلاة الجماعة شاملة لعموم صلاة الجماعة فرضاً ونفلاً؟ فيكون الترغيب في حضور صلاة جماعة النافلة مطلوباً، بغية لثواب الجماعة؟
والجواب: أن الأصل في حكم النص العام أن يبقى على عمومه فيتناول أفراده ما لم يرد ما يخصصه، وإن كان الظاهر في هذه المسألة أن دخول جماعة الصلاة المكتوبة في الأجر والثواب دخول أولي، إلا أنه قد لا يمنع من دخول ما سُنّت لها الجماعة من النوافل أن يثبت لها من الفضل والأجر ما ثبت لجماعة الفريضة على السواء؛ فتفضل جماعة النافلة المشروعة على الفذ بسبع وعشرين درجة تبعاً للدليل العام الناطق بذلك، والعلم عند الله.
مراتب صلاة النوافل في الجماعة
تتنوع صلاة النوافل من حيث أدائها في الجماعة إلى المراتب الثلاث الآتية:
المرتبة الأولى: نوافل يُفضل أداؤها جماعة
من النوافل ما تشرع وتفضل المداومة عليها في الجماعة ويحث على شهودها، لورود الأدلة الدالة على مشروعيتها في الجماعة، وهي أربع صلوات:
1- صلاة الكسوف: وعن عائشة رضي الله عنها: “أن النبي ﷺ صلى بهم في كسوف الشمس”[1]. وفي رواية عن أبي بكرة، قال: خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فخرج يجر رداءه، حتى انتهى إلى المسجد وثاب الناس إليه، فصلى بهم ركعتين[2].
2- صلاة الاستسقاء: وعن عباد بن تميم المازني، أنه سمع عمه، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ، يقول: خرج رسول الله ﷺ يوماً يستسقي، فجعل إلى الناس ظهره، يدعو الله، واستقبل القبلة، وحول رداءه، ثم صلى ركعتين[3].
3- صلاة العيدين: وعن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ، كان يخرج يوم الأضحى، ويوم الفطر، فيبدأ بالصلاة، فإذا صلى صلاته وسلم، قام فأقبل على الناس، وهم جلوس في مصلاهم، فإن كان له حاجة ببعث، ذكره للناس، أو كانت له حاجة بغير ذلك، أمرهم بها[4].
4- صلاة التراويح: عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ صلى في المسجد ذات ليلة، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة، أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ، فلما أصبح، قال: “قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم” قال: وذلك في رمضان[5]. وقوله عليه الصلاة والسلام: “من قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب له قيام ليلة”[6]. وقال ابن خزيمة: قيام رمضان في جماعة أفضل من صلاة المرء منفرداً في رمضان[7].
وهذه النوافل الأربع هي التي يفضل أداؤها في الجماعة على الدوام دون غيرها من السنن، للأدلة الواردة في خصوصها.
المرتبة الثانية: نوافل يشرع أداؤها في الجماعة أحياناً
يجوز إيقاع الجماعة في صلاة التطوع إذا لم يكن على وجه الديمومة والراتبة أو الدعوة أو الإعلان بها، عملاً بما ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى مرة بالناس صلاة النافلة من أجل التعليم ولم يستمر.
وصلى مرة بالليل في بيته وحده ثم انضم إليه ابن عباس، وكل من ابن مسعود وحذيفة قد صلى مع النبي ﷺ أيضاً في أوقات مختلفة دون ترتيب مسبق.
وصلى بجماعة في النافلة مع بعض أصحابه في بيوتهم، كما في قصة عتبان بن مالك عندما أراد أن يتخذ مصلى في بيته، وكذا في بيت أم أنس بن مالك لما زارهم فقال ﷺ: “قوموا فأصلي لكم”[8]. ودل على جواز التطوع في الجماعة أحياناً دون المواظبة أو الإشهار.
المرتبة الثالثة: نوافل لا يجوز أداؤها في جماعة
لم يكن من هدي النبي ﷺ العام الاعتياد بالتطوع في الجماعة، لا في البيت مع أزواجه ولا مع أصحابه في المسجد وخارجه، إنما كان عليه الصلاة والسلام يحث على خص النوافل بالبيوت ويقول: “صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة“[9].
ومقتضى هذا أن الأصل في صلاة النافلة الانفراد بها دون الجهر، كعادته عليه الصلاة والسلام التي استنّ بها أصحابه من بعده، حيث اعتادوا بنوافلهم المطلقة وحداناً ولا يصلونها جماعة، لكون ذلك أحرى للإخلاص وأبعد عن الرياء إلا ما دل الدليل على استثنائه كصلاة الكسوف ونحوه.
وعليه فلا يجوز انعقاد التطوع في الجماعة بشكل سنة راتبة كحال الصلوات الخمس، أو الإعلان بها مسبقاً فضلاً عن أن يجعل لها موعداً معلوماً، أو جعل النوافل التي لم تسن لها الجماعة جماعة، مثل:
- السنن الرواتب قبلية أو بعدية.
- تحية المسجد.
- صلاة الاستخارة وأشباهها.
إذ المستفيض من حال عامة سلف الأمة أداؤها فرادى، ولا ينبغي الاستدلال والتخريج على دليل عام في إثبات هذا النوع من التطوع الجماعي الذي لم يجر عليه عمل السلف، بل النكير عليه وارد، والمنع منه مهم، والزجر عنه مستحب، لما فيه من المخالفة والابتداع.




