الحاجة إلى الدين .. من الفطرة إلى الهداية
لم يعد سؤال الحاجة إلى الدين سؤالًا نظريًا خاصًا بعلم الكلام أو تاريخ الأديان، بل أصبح من الأسئلة المتصلة مباشرة بالإنسان المعاصر، ولا سيما في ظل تصاعد الخطابات الإلحادية، واتساع النزعة المادية، وتنامي الدعوات إلى إبعاد الدين عن مجالات الحياة. إن السؤال لا يتعلق فقط بوجود الدين في حياة الإنسان، وإنما بوظيفته وموقعه من العقل والفطرة والنفس والمجتمع هل الدين عنصر طارئ في التجربة الإنسانية، أم أنه يستجيب لحاجة أصيلة في تكوين الإنسان؟
لماذا نبحث في موضوع الحاجة إلى الدين؟
ولهذا السؤال حضور واضح في عدد من المؤلفات الإسلامية المعاصرة. فقد جعل يوسف القرضاوي الباب الأول من كتابه مدخل لمعرفة الإسلام بعنوان «في الحاجة إلى الدين»، وقسّم البحث فيه إلى حاجة العقل والنفس والفطرة في الفرد، وحاجة المجتمع إلى بواعث وضوابط، قبل الانتقال إلى مقومات الإسلام من العقيدة والعبادة والأخلاق والتشريع، (1) كما تناول محمد الزحيلي في كتابه وظيفة الدين في الحياة وحاجة الناس إليه مفهوم الدين، وبواعث التدين الفطرية، ووظيفة الدين في حياة الفرد والمجتمع (2).
ويأتي كتاب محمد سعيد رمضان البوطي كبرى اليقينيات الكونية في السياق نفسه من حيث تقديم البحث العقدي بمقدمات تتصل بالحقيقة والإنسان والكون، بل يرد فيه عنوان صريح «ما الذي أحوج الإنسان إلى العقيدة الصحيحة عن الكون والحياة والتزام مقتضياتها؟». (3)
وتقتضي المنهجية هنا التمييز بين سؤالين متقاربين في الظاهر مختلفين في المقصد لماذا يحتاج الإنسان إلى الدين؟ وكيف نشأ الدين؟ فالأول يبحث في حاجة الإنسان ووظائف الدين وآثاره، بينما يبحث الثاني في أصل الظاهرة الدينية وتفسير ظهورها تاريخيًا أو اجتماعيًا أو نفسيًا. وقد اهتمت الدراسات الحديثة للأديان بالسؤال الثاني.
وفي الدراسات الحديثة لتاريخ الأديان، تطورت مناهج البحث من مجرد نقل الأخبار والمرويات إلى الدراسة الموضوعية للأديان ومصادرها وظواهرها، والاستعانة بالعلوم المختلفة في تفسير الظواهر الدينية. ويعرض محمد خليفة حسن جانبًا من هذا التطور المنهجي، مع بيان الأسس التي قامت عليها دراسة الأديان وتصنيفها ومقارنتها (4).
أما المنظور الإسلامي فيبدأ من أصل آخر الله خلق الإنسان وفطره، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الهداية، ولذلك لا يُبحث الدين ابتداءً بوصفه اختراعًا بشريًا، وإنما بوصفه هداية إلهية استجاب بها الوحي لحاجات الإنسان.
إن السؤال عن الحاجة إلى الدين لا ينتهي عند إثبات أن الإنسان يعرف التدين أو يمارسه، وإنما يقود إلى سؤال أعمق هل يحتاج الإنسان، وراء فطرته وأسئلته وعجزه عن الإحاطة بالغيب، إلى هداية تأتيه من خارج قدرته البشرية؟ وبعبارة أخرى هل الحاجات التي تدفع الإنسان إلى البحث عن الدين تنتهي عند التدين، أم أنها تقوده إلى الهداية والوحي؟
وهذا ما يجعل الانتقال من «الحاجة إلى الدين» إلى «الحاجة إلى الهداية» انتقالًا منهجيًا له دلالته، فإثبات الحاجة لا يثبت وحده صحة كل دين، وإنما يفتح الطريق إلى البحث في مصدر الهداية التي تستجيب لهذه الحاجة، ثم في معايير صدقها.
الحاجة الفطرية إلى الدين وميثاق الذر
منطلق البحث أن الإنسان ليس كائنًا ماديًا خالصًا، وإنما فطره الله تعالى على أصل المعرفة به والتوجه إليه. قال تعالى ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم 30]، وقال النبي ﷺ «كل مولود يولد على الفطرة» (5).. والفطرة في هذا السياق ليست بالضرورة مساوية لجميع تفاصيل الشرائع والأحكام، وإنما هي الأصل الذي فطر الله الناس عليه من القابلية لمعرفة ربهم وتوحيده والاستجابة للحق.
أما ميثاق الذر فيأخذ من قوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف 172]. ووفق التصور العقدي الإسلامي، فإن هذا الميثاق يشير إلى أصل إقرار الإنسان بربوبية الله. ولا يلزم من الاستدلال به القول بأن الإنسان يتذكر بصورة شعورية تفاصيل ذلك الميثاق بل المقصود بيان أن الصلة بالله حاضرة في أصل التصور القرآني للإنسان.
ويؤكد القرآن هذا المعنى من جهة أخرى في قوله تعالى ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت 65]، فالإنسان حين تنكشف له محدوديته وتسقط عنه أسباب الاعتماد الظاهرة يتوجه إلى القوة التي يرى أنه محتاج إليها فوق قدرته.
ويمكن فهم ظاهرة التدين في التاريخ الإنساني، بصرف النظر عن الحكم على صحة المعتقدات التي اتخذتها. فقد تعددت صور العبادة والمقدسات، واختلفت تصورات البشر للغيب والإله، لكن حضور التوجه الديني ظل ظاهرة واسعة في المجتمعات الإنسانية. وقد عبّر بلوتارخ عن هذه الملاحظة في حديثه عن المدن، إذ ذكر أنه يمكن أن توجد مدن بلا أسوار أو ملوك أو ثروة أو مسارح، لكنه لم يعرف مدينة بلا معابد وآلهة وعبادات. (6).
لكن شيوع التدين لا يعني صحة كل تدين، فهناك فرق بين الحاجة الفطرية إلى الدين وبين صحة الصورة الدينية التي يتبناها الإنسان. فقد يوجه الإنسان نزوعه الديني إلى التوحيد، وقد يوجهه إلى الوثنية أو الخرافة أو غيرهما.
إن وظيفة الوحي ليس إنشاء أصل الحاجة إلى الدين، وإنما تصحيح هذه الحاجة وتوجيهها إلى الحق، وهذا ما يجعل مفهوم الفطرة مدخلًا لا غنى عنه لفهم التدين فالإنسان مفطور على أصل الاستعداد، لكنه يحتاج إلى الهداية التي تعرفه بالحق وتصحح له موضوع عبادته.
من الحاجة الوجودية والعقلية إلى الهداية
إذا كانت الفطرة تهيئ الإنسان للتدين، فإن العقل يكشف وجهًا آخر من حاجته إلى الهداية، فالإنسان لا يستطيع أن يتجاوز الأسئلة الكبرى المتعلقة بوجوده من أنا؟ من أين جئت؟ لماذا وُجدت؟ إلى أين أمضي؟ وما مصيري بعد الموت؟
هذه الأسئلة تتصل بحقيقة الإنسان والكون والحياة، وقد حاول العقل البشري الإجابة عنها منذ أقدم العصور، وكانت الفلسفة أحد أهم ميادين هذا البحث. غير أن تعدد الأجوبة الفلسفية يكشف صعوبة هذه الأسئلة وتعقّدها، كما يكشف أن العقل البشري لا يملك، بمجرده، وصولًا تجريبيًا مباشرًا إلى تفاصيل الغيب والمصير وما بعد الموت.
وهنا لا تكون الحاجة إلى الدين رفضًا للعقل، وإنما حاجة العقل إلى ما يكمل مجاله ولا يستطيع أن يستقل به. فالعقل يستطيع أن يستدل ويناقش ويقيم الحجج، وأن ينظر في دلائل الخلق والغاية والنظام، لكنه لا يستطيع وحده أن يستخرج تفاصيل الحياة الأخروية، أو كيفية العبادة، أو طبيعة الجزاء، أو جميع ما يتصل بالغيب. وهنا يأتي الوحي بخبر من مصدر يتجاوز الإنسان، فيقدم له ما لا يمكن أن تحيط به تجربته المحدودة.
ولهذا كان إرسال الرسل من مقتضى الرحمة الإلهية وإقامة الحجة، قال تعالى ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء 165]، وقال تعالى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء 15]. (7)
ويظهر الفرق بين محاولة الإنسان الفلسفية للوصول إلى الحقيقة وبين الوحي الفلسفة جهد بشري في البحث والنظر، أما الوحي فهو خبر إلهي يهدي الإنسان فيما يتجاوز حدود قدرته. ولذلك فإن الحاجة العقلية إلى الدين ليست حاجة إلى إلغاء العقل، وإنما إلى هدايته واستكمال مجاله.
غير أن هذه النتيجة لا تعني الانتقال مباشرة من إثبات الحاجة إلى القول بصحة دين بعينه، فالمرحلة التالية هي البحث في إمكان الوحي ومعايير صدقه، ثم النظر في الرسالة التي تستجمع شروط الهداية الصحيحة.
الحاجة النفسية والروحية
لا يعيش الإنسان بعقله وحده، فهو كائن يخاف ويرجو، ويمرض ويفقد، ويواجه المجهول والموت، ويشعر بالعجز أمام أمور لا يستطيع التحكم فيها. ولذلك فإن حاجته إلى الدين ليست معرفية فحسب، وإنما هي كذلك حاجة إلى السكينة والمعنى والثبات. وهذا من الجوانب التي أبرزها الزحيلي في حديثه عن وظيفة الدين في حياة الفرد، كما جعل القرضاوي الحاجة النفسية أحد مداخل الحاجة إلى الدين. (8)
وحين يفقد الإنسان الجواب الذي يفسر له وجوده ومصيره، أو يعيش بلا مرجعية تمنح حياته معنى نهائيًا، قد تتحول الحيرة إلى قلق واضطراب وفقدان للاتجاه. ويعبّر بعض ما جاء في الترجمة العربية لأحمد رامي لرباعيات الخيام عن صورة أدبية مكثفة لهذا السؤال الوجودي :
لبستُ ثوبَ العيشِ لم أستشر
وحِرتُ فيه بين شتّى الفكر
وسوف أنضو الثوبَ عني
ولم أُدرك لماذا جئتُ، أينَ المقر (9)
والاستشهاد بهذا الشعر لا يراد به بناء حكم نفسي على صاحبه، ولا تفسير الإلحاد أو القلق النفسي بعامل واحد، وإنما استحضار صورة أدبية لسؤال الإنسان عن أصل وجوده وغايته ومصيره. والأدق في التوثيق نسبة هذه الصياغة إلى الترجمة العربية لأحمد رامي لرباعيات الخيام، إذ ترد الأبيات بهذه الصيغة في المصادر التي تنقل ترجمته.
وفي المقابل يقدم القرآن نموذجًا بالغ الدلالة لأثر الإيمان في إعادة ترتيب منظومة الخوف والرجاء والمصلحة سحرة فرعون. كانوا قبل الإيمان ينظرون إلى الأمر بمنطق المنفعة ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ [الأعراف 113] (10).. فلما وقع الإيمان في قلوبهم تغير مركز حياتهم، فقالوا لفرعون ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه 72] (11).
إنها نقلة تتجاوز المعرفة النظرية إلى إعادة ترتيب منظومة الخوف والرجاء والمصلحة، فقد انتقلوا من انتظار الأجر الدنيوي والخضوع لسلطة فرعون إلى الثبات على ما رأوه حقًا، حتى لم تعد تهديداته قادرة على ردهم عنه. وهنا يظهر الإيمان، في التصور الإسلامي، قوة تحرر الإنسان من الخوف المطلق من البشر، وتمنحه معيارًا أعلى من المصلحة الآنية.
ولهذا فإن الدين، في وظيفته النفسية والروحية، لا يمنح الإنسان معلومة عن الله فحسب، بل يعيد تنظيم علاقته بالخوف والرجاء والموت والابتلاء والرزق والمستقبل. ومن خلال التوكل والصبر والرجاء والإيمان بالقدر والآخرة، ينظر التصور الإسلامي إلى الإيمان بوصفه مصدرًا للسكينة والثقة بالله والعمل في حدود الاستطاعة.
ولا يصح، في المقابل، اختزال الظواهر النفسية المعاصرة، كالاضطرابات النفسية أو الانتحار، في غياب الدين وحده، فهي ظواهر مركبة تتداخل فيها عوامل متعددة. لكن ذلك لا ينفي أن الوفرة المادية لا تستنفد حاجات الإنسان، وأن الجانب الروحي والمعنوي جزء من بنيته.
الحاجة الأخلاقية والاجتماعية
الإنسان لا يعيش منفردًا، فهو محتاج إلى غيره في معاشه ودفع ما يعرض له من الأخطار، ومن ثم كان الاجتماع الإنساني ضرورة في بقاء النوع وقيام العمران. وقد قرر ابن خلدون هذه الحقيقة في مقدمته بقوله «إن الاجتماع الإنساني ضروري»، مبينًا أن قدرة الفرد الواحد قاصرة عن تحصيل حاجاته، وأن التعاون بين أبناء الجنس الإنساني هو الذي يحقق قدر الكفاية لهم. ثم يقرر أن الاجتماع، بعد تحققه، يحتاج إلى وازع يدفع بعض الناس عن بعض ما في طباعهم من العدوان والظلم. ويظهر أن الاجتماع الإنساني لا يستقيم بمجرد اجتماع الأفراد، بل يحتاج كذلك إلى نظم تضبط علاقاتهم وتمنع التعدي وتحفظ مصالحهم (12).
ومن هذا المدخل يمكن فهم الوظيفة الأخلاقية والاجتماعية للدين في التصور الإسلامي، إذ لا يقتصر الدين على تنظيم علاقة الإنسان بربه، وإنما يقدم كذلك جملة من القيم والضوابط التي تنظم علاقة الإنسان بغيره وتربط السلوك بالمسؤولية والجزاء.
وحيث يوجد الاجتماع البشري تتشابك المصالح والحقوق والواجبات، ومن ثم تظهر الحاجة إلى قواعد تضبط العلاقة بين الأفراد والجماعات، وتحمي الحقوق، وتمنع الاعتداء، وتحدد المسؤولية. وتتضح بذلك الوظيفة الأخلاقية والاجتماعية للدين وكيفية غرس بواعث داخلية تحمل الإنسان على الالتزام، حتى في المواضع التي لا تصل إليها الرقابة الخارجية.، ويربط السلوك بمسؤولية أمام الله، وبجزاء يتجاوز حدود الدنيا.
ولا يعني ذلك أن المجتمعات غير الدينية تفتقر بالضرورة إلى الأخلاق، ولا أن القانون الوضعي عاجز عن تنظيم الحياة، وإنما يعني أن الدين يقدم، في التصور الإسلامي، مرجعية متجاوزة للمصلحة الفردية وتقلبات القوة الاجتماعية، ويمنح القيم الأخلاقية أساسًا يرتبط بالمسؤولية والجزاء.
ولهذا جعل القرضاوي حاجة المجتمع إلى «بواعث وضوابط» جزءًا من بحثه في الحاجة إلى الدين، (13) فالدين، في هذا المستوى، لا يؤدي وظيفة روحية فردية فحسب، وإنما يسهم في بناء الضمير الأخلاقي وتنظيم العلاقات وربط الحقوق بالواجبات وتعزيز التكافل والمسؤولية.
تكشف هذه المستويات أن الحديث عن الحاجة إلى الدين ليس مجرد استدلال على شيوع التدين في التاريخ. فالحاجة تتخذ صورًا متكاملة الفطرة تهيئ الإنسان للتدين، والعقل يدفعه إلى البحث عن الحقيقة والغاية، والنفس والروح تطلبان السكينة والمعنى، والاجتماع الإنساني يحتاج إلى الأخلاق والضوابط.
لكن إثبات الحاجة لا يكفي وحده، إذ يبقى السؤال أي دين؟ فوجود النزوع الديني لا يثبت صحة كل عقيدة، كما أن تعدد الأديان لا يعني تساويها في الحقيقة، ثم ينتقل مدار الفكرة من الحاجة إلى الدين إلى الحاجة إلى الهداية، فالإنسان يحتاج إلى أن يهتدي بنزوعه الفطري، وأن يجد جوابا يتجاوز حدود التخمين البشري، وأن يعرف كيف يعبد خالقه، وأن يبني أخلاقه وعلاقاته على أساس من الهداية.
ويذلك نفهم لماذا تتقدم هذه المسألة عددًا من كتب العقيدة والفكر الإسلامي المعاصر. فـمدخل لمعرفة الإسلام يبدأ بالحاجة إلى الدين قبل الانتقال إلى مقومات الإسلام،(14) وكبرى اليقينيات الكونية يخصص مقدمة للسؤال عن حاجة الإنسان إلى العقيدة الصحيحة عن الكون والحياة،(15) بينما يجعل الزحيلي «بواعث التدين الفطرية» و«وظيفة الدين في حياة الفرد والمجتمع» جزءًا أساسيًا من بحثه في وظيفة الدين (16).
وغير ذلك من الكتب كثير، علاوة على أن المقدمات المنهجية لكتب العقيدة التراثية في الفكر الإسلامي تمهّد كذلك للحاجة إلى الدين عبر الحديث عن المنهجية العلمية الموصلة إلى الله، وبذلك لا يكون الوحي إلغاءً للفطرة أو العقل، وإنما هو هداية للفطرة، وإرشاد للعقل، وطمأنينة للنفس، وضابط للأخلاق والمجتمع.
ومن هنا يمكن صياغة المسألة على نحو أكثر دقة الحاجة الإنسانية لا تنتهي عند إثبات أن الإنسان متدين، وإنما تقود إلى السؤال عن الهداية التي يستطيع الإنسان أن يثق بمصدرها، وعن العلامات التي تميّز الوحي الصحيح من التصورات والموروثات البشرية. ومن ثم يصبح البحث في صدق الوحي والنبوة خطوة تالية طبيعية في البناء العقدي لهذا الموضوع.
خاتمة
قد يستطيع الإنسان أن يرفض دينًا، أو أن يعلن اكتفاءه بالعقل، أو أن يختزل وجوده في المادة، لكن رفض الدين لا يلغي بالضرورة الأسئلة التي دفعت الإنسان إلى البحث الديني سؤال الأصل والغاية والمصير، وسؤال الخير والشر، وسؤال المعنى، وسؤال ما الذي يستحق أن يضع الإنسان فيه قلبه وثقته.
ولهذا فالسؤال الأعمق ليس هل يستطيع الإنسان أن يعيش بلا اسم ديني؟ وإنما هل يستطيع أن يلغي أسئلة الحقيقة والغاية والقيمة والمصير؟ قد يجيب الإنسان عنها إجابات دينية، وقد يحاول أن يبني لها إجابات فلسفية أو مادية أو إنسانية، غير أن السؤال نفسه يبقى حاضرًا، وتبقى الحاجة إلى تفسير الوجود وتحديد الغاية ومصدر القيمة.
هنا تلتقي الفطرة بالعقل والنفس والمجتمع، وتتضح الحاجة إلى الهداية.
والتصور الإسلامي لا يترك هذه الحاجات متفرقة، فهو يربطها بمصدر واحد الله الذي فطر الإنسان، وأودع فيه القدرة على المعرفة، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الوحي. فالفطرة تهيئه، والعقل يسأله، والنفس تطلبه، والمجتمع يحتاج إلى آثاره، ثم تأتي الرسالة لتضع الإنسان على الطريق الصحيح.
ومن ثم فإن الحاجة إلى الدين ليست مجرد حاجة إلى ممارسة شعائر أو الانتماء إلى جماعة، بل هي، في جوهرها، حاجة الإنسان إلى الحقيقة والهداية والمعنى. وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يلغي أسئلة الحقيقة والغاية والقيمة والمصير، فإن القضية الحاسمة ليست مجرد وجود الحاجة، وإنما صحة الجهة التي يشبعها بها، وصحة المصدر الذي يأخذ منه جوابه، ثم تبدأ المسألة العقدية الكبرى من خلق الإنسان؟ ولماذا خلقه؟ وكيف هداه؟ وما الرسالة التي جاءت لتجيبه عن هذه الأسئلة؟
ومن هذا المدخل يصبح البحث في الإسلام ليس بحثًا عن دين يملأ فراغًا نفسيًا فحسب، وإنما بحثًا عن الوحي الذي يلتقي فيه العقل السليم بالفطرة السليمة، وتجد فيه النفس معناها، ويجد الإنسان طريقه إلى ربه.
اكتشاف المزيد من ماسنجر المسلم
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.