ما يهم المسلم

مراجعة كتاب “رأسمالية الكوارث” لـ أنتوني لوينشتاين


ترتبط الكوارث عادةً بإجراءات يُفترض أن تنتهي بزوال أسبابها؛ فالحرب يُنتظر انقضاؤها، والإعمار أن يكتمل في غضون مدد زمنية، وكذا المؤسسات الطارئة أن تنسحب بزوال الحاجة إليها. غير أن الاستجابة للأزمات قد تنشئ عقوداً وشركات ووظائف ومصالح تستمر بعد انحسارها، حتى يصبح بقاء بعض المؤسسات التي قامت لمعالجة الضرر مرتبطاً باستمرار الحاجة التي قامت لمعالجتها ابتداءً. وهكذا تتحول التدابير المؤقتة إلى ترتيبات مستقرة، وتصبح آثار الكارثة أساساً لنشاطات اقتصادية متعددة.

من هذا المنطلق يأتي كتاب أنتوني لوينشتاين رأسمالية الكوارث: كيف تجني الحكومات والشركات العالمية أرباحاً طائلة من ويلات الحروب ومصائب البشرية. ويتتبع الكاتب اتساع السوق عبر الحروب والانهيارات المالية والكوارث الطبيعية واستخراج الموارد وسياسات الأمن والاحتجاز. ويكشف عبر حالات متعددة كيف تتحول الحاجات الإنسانية والاجتماعية إلى أسواق، وما يرافق ذلك من انتقال الموارد والوظائف والقرارات إلى جهات تمتلك المال والخبرة والنفوذ. وتتجاوز أطروحته الأرباح التي تحققها الشركات إلى البنية السياسية والمؤسسية التي تتيح لها العمل والاستمرار، وما ينشأ عنها من تحولات في العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع.

اقتصاد الأزمات وتحولات السلطة بين الدولة والسوق

تبدأ رأسمالية الكوارث حين تعيد الأزمة توزيع القدرة على تحديد الأولويات وشروط الاستجابة. فالحروب والانهيارات الاقتصادية والكوارث الطبيعية تخلق حاجات عاجلةً، وتضعف في الوقت نفسه المؤسسات المسؤولة عن تلبيتها، فتمنح أصحاب المال والخبرة والتنظيم نفوذاً أكبر في تقرير اتجاه الاستجابة. عندئذ تتجاوز الكارثة حدود الحدث الطارئ، لتصبح مجالاً لإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع. ومن هذا المدخل يوسع لوينشتاين المفهوم ليشمل الاقتصاد الذي ينشأ حول إدارة الكوارث، وما يتيحه من انتقال الوظائف والموارد والقرارات إلى فاعلين جدد.

تفتح الحرب السوق حين تتسع حاجاتها أسرع من قدرة المؤسسات على تلبيتها. ففي أفغانستان -على سبيل المثال- خلق استمرار الصراع طلباً واسعاً على الأمن والنقل والإمداد والتدريب والاستخبارات والإعمار، فيما كانت المؤسسات المحلية محدودة القدرة وتعتمد القوات الأجنبية نفسها بصورة متزايدة على المقاولين. وانتقلت بذلك وظائف ارتبطت تقليدياً بالجيوش والحكومات إلى شركات مثل «داينكورب» و«كي بي آر» و«بلاك ووتر» و«إيجيس»، حتى أصبحت جزءاً من البنية التي تُدار بها الحرب. ومع اتساع التعاقدات نشأت منظومة تمتلك المال والخبرة والقدرة التنفيذية، بينما بقيت المؤسسات المحلية أقل قدرةً على استعادة كثير من وظائفها. وهكذا لم يعد حضور السوق متعلقاً بتوفير خدمات جانبية للحرب؛ فقد دخل في شروط إدارتها واستمرارها.

وحين تنتقل الوظائف نفسها من الحرب إلى إعادة الإعمار، تظهر نتيجة أكثر وضوحاً. فقد تدفقت إلى أفغانستان مليارات الدولارات عبر الوكالات الدولية والشركات والاستشاريين، فيما ظلت قدرة المؤسسات المحلية على تحديد الأولويات والاحتفاظ بالخبرة محدودة. والمفارقة هنا أن التدخل المخصص لتعويض ضعف الدولة يستطيع أن يعيد إنتاج اعتمادها إذا تولت الجهات الخارجية التنفيذ من دون أن تنتقل معها القدرة المؤسسية. ومع اقتراب الانسحاب العسكري تحركت المصالح نحو التعدين والطاقة والبنية التحتية وحماية الاستثمار، فوجد اقتصاد الحرب مجالات جديدةً للاستمرار داخل اقتصاد التنمية. وبهذا يصبح الضعف المؤسسي الذي خلفته سنوات الصراع نفسه سبباً جديداً للحاجة إلى رأس المال والخبرة الخارجيين.

وتؤدي الأزمة الاقتصادية وظيفة مشابهة حين تضيق مجال الخيارات السياسية وتعيد تعريف ما يبدو ممكناً أو ضرورياً. ففي اليونان -على سبيل المثال- رافقت أزمة الديون وسياسات التقشف تخفيضات واسعة في الإنفاق والخدمات وارتفاعات في البطالة والفقر، بينما دخلت الأصول العامة والبنية التحتية في مسارات البيع والخصخصة، وفتحت أزمة الهجرة مجالاً لعقود الاحتجاز والحراسة ومراقبة الحدود. وتكشف هذه الحالة أن أثر الأزمة يتجاوز الخسائر التي تحدثها؛ فهي تغير أيضاً شروط النقاش حول ما يمكن قبوله، بحيث تغدو إجراءات كان تمريرها أصعب في الظروف العادية استجابات تقدمها السلطة تحت ضغط الضرورة. ومن ثم تصبح الأزمة فرصةً لإعادة رسم الحدود بين الوظائف التي تبقى في المجال العام وتلك التي تنتقل إلى السوق.

ويظهر أثر هذا الاختلال بوضوح في إعادة إعمار هايتي بعد زلزال 2010. فقد تدفقت المساعدات والمنظمات الدولية والشركات الأجنبية بأحجام ضخمة، من دون أن يقترن ذلك بقدرة مماثلة للمجتمع الهايتي ومؤسساته على تحديد اتجاه الإنفاق. واستمرت مخيمات النازحين، وتأخر الإسكان، ومرت موارد واسعة من الإغاثة عبر جهات خارجية أدارت العقود والبرامج وحددت جانباً مهماً من الأولويات. وهو ما جعل المسألة أوسع من مقدار الأموال التي وصلت إلى البلد؛ إذ تتعلق بمن امتلك سلطة تحديد ما يحتاج إليه المجتمع، وما الذي يُقدَّم أولاً، وأي صورة للاقتصاد ينبغي بناؤها بعد الكارثة. فامتلاك موارد الاستجابة يمنح صاحبه، في أوضاع الضعف المؤسسي، نفوذاً على مستقبل البلد يتجاوز لحظة الإغاثة نفسها.

ولا ينشأ اختلال القدرة في هذه الحالات من لحظة الكارثة وحدها؛ فالصدمة تقع غالباً داخل علاقات أقدم تحدد مسبقاً من يملك الموارد ومن يحتاج إليها. ويتضح ذلك في هايتي، حيث تتصل هشاشة الدولة بتاريخ طويل من التدخل الخارجي والديون والتبعية، كما يظهر في بابوا غينيا الجديدة من خلال الإرث الاستعماري وعلاقة الموارد الطبيعية بالشركات والقوى الخارجية. ومن هذه الزاوية تكشف الكارثة تفاوتاً سابقاً بقدر ما تنشئ تفاوتات جديدةً؛ إذ يدخل الأطراف إلى لحظة الأزمة من مواقع غير متكافئة، ثم تعيد الاستجابة ترسيخ جانب من هذا الاختلال حين يبقى رأس المال والخبرة والقدرة على القرار خارج المجتمع المتضرر. ولذلك يصعب فهم رأسمالية الكوارث إذا عوملت الأزمة كنقطة بداية منفصلة عن التاريخ الذي جعل بعض المجتمعات أكثر عرضةً لتدخل الآخرين في تقرير مستقبلها.

اقرأ أيضا

الرأسمالية بين وحداتها وموضوعها
كيف كشف الأدب زيف الرأسمالية؟

وتضيف بابوا غينيا الجديدة بعداً آخر إلى الحجة؛ فقد يكون النشاط الاقتصادي نفسه جزءاً من إنتاج الأزمة التي سيعود لاحقاً بوصفه طريقاً لمعالجتها. ففي منجم بانغونا -على سبيل المثال- دخل استخراج الموارد في تكوين النزاع قبل أن يعود التعدين، بعد الحرب، خياراً مطروحاً لتمويل الدولة وإنعاش الاقتصاد. وهكذا تكشف الحالة أن النشاط الاقتصادي قد يسبق الكارثة ويشارك في إنتاج شروطها، ثم يستمد من آثارها مبرراً جديداً للاستمرار.

تختلف هذه الحالات في أسبابها ومساراتها، ويجمعها اختلال واحد في شروط الاستجابة؛ إذ تصبح الحاجة أكثر إلحاحاً في اللحظة التي تضعف فيها قدرة المجتمع أو المؤسسات المحلية على تحديد كيفية تلبيتها. ووقتها تفتح الكارثة السوق من خلال إعادة توزيع القدرة على تعريف المشكلة وتحديد من يستجيب لها وبأية شروط. وحين تتحول هذه الحاجة إلى عقود ومشروعات ومصادر للدخل، تبدأ مرحلة أخرى من رأسمالية الكوارث؛ تصبح فيها آثار الأزمة مورداً اقتصادياً قابلاً للاستمرار.

تسليع المعاناة: حين تصبح الحاجة مورداً اقتصادياً

يتسع منطق رأسمالية الكوارث حين تتحول آثار الأزمة نفسها إلى موارد للاستثمار. فالأرض الملوثة على سبيل المثال، والعمل منخفض الأجر، والسجين، والمهاجر المحتجز، تستوعب في الدائرة الاقتصادية من مواقع مختلفة، إذ يجمعها تحويل الهشاشة الإنسانية أو الاجتماعية إلى مصدر للعائد. وبالتالي يرتبط الربح باستمرار المشكلة التي نشأ النشاط لمعالجتها، فتتجاوز المسألة استغلال الأزمة إلى بناء مصالح اقتصادية تستمد جدواها من بقاء آثارها.

تظهر هذه الآلية بوضوح في استخراج الموارد، حيث تكشف بابوا غينيا الجديدة كيف يمكن أن تنفصل القيمة الاقتصادية للأرض عن قيمتها بالنسبة إلى سكانها. فقد وفّر منجم بانغونا في بوغانفيل عائدات ضخمة من النحاس، فيما تحمل السكان آثار التلوث والنزاع على الأرض والعائدات، وصولاً إلى صراع مسلح. وبعد الحرب عاد التعدين بوصفه خياراً لتمويل الإعمار، ليصبح النشاط الذي ساهم في إنتاج الأزمة أحد الحلول المطروحة للخروج منها. وهكذا استطاعت الكارثة أن تعيد إنتاج الحاجة إلى النموذج الاقتصادي الذي شارك في صنعه.

وفي هايتي يظهر التسليع عبر العمل نفسه؛ فقد ارتبط جانب من مشروعات الإعمار بجذب الاستثمار من خلال المناطق الصناعية والقدرة على توفير عمالة منخفضة الكلفة. وبهذا يتحول الفقر من مشكلة يفترض أن يعالجها النمو إلى عنصر يدخل في جاذبية البلد الاستثمارية؛ فكلما ظلت الأجور منخفضةً احتفظ المستثمر بجانب من الميزة التي دفعته إلى الدخول. ولا يلغي ذلك ما قد توفره هذه المشروعات من وظائف ودخل، لكنه يكشف توتراً داخل النموذج نفسه؛ إذ يصبح تحسين معيشة العامل قادراً على إضعاف إحدى الميزات التي بُني الاستثمار عليها. عندها يظهر الوجه المتناقض للتنمية؛ إذ تستمد جانباً من قدرتها التنافسية من استمرار الشرط الذي يفترض أن تساعد على تجاوزه.

ويبلغ هذا التوتر صورةً أكثر مباشرةً في السجون الخاصة بالولايات المتحدة، حيث يصبح وجود السجين أساساً للدخل. فالدولة تدفع مقابل الاحتجاز، والشركة تحصل على عوائدها من ذلك، بينما يتحمل السجين أثر الخدمة، وتتسع حول المؤسسة مصالح تشمل العاملين والموردين والمناطق التي تعتمد على إنفاقها. وتظهر دلالة هذا الترتيب بوضوح في العقود التي ترتبط بمعدلات الإشغال أو تضمن مستويات محددةً منه؛ فالسرير الفارغ -على سبيل المثال- يحمل كلفةً ماليةً، بينما يفترض أن يُقاس نجاح السياسة الجنائية بتراجع الجريمة ومدى الحاجة إلى السجون ونجاح عمليات إعادة التأهيل. وهنا مكمن الإشكال في هذا النموذج؛ إذ تختلف النتائج الرافعة للعوائد عن النتائج الممثلة لنجاح السياسات العامة.

وقد تمتد المصلحة الاقتصادية من الاستفادة من السياسة القائمة إلى محاولة التأثير في البيئة التي تنتج الطلب نفسه. ففي صناعة السجون الخاصة يعرض الكتاب صلات بين الشركات وجماعات الضغط والنقاشات المتعلقة بالعقوبات والهجرة، بما يجعل العلاقة بين السوق والسياسة أشد تداخلاً. فكلما اتسعت سياسات السجن والاحتجاز اتسع حجم السوق، وهو ما يمنح الجهات المستفيدة حافزاً للدفاع عن البيئة القانونية التي تحافظ على هذا الطلب. ولا يعني ذلك أن الشركات تصيغ السياسة الجنائية بمفردها، وإنما يكشف أن المصلحة الخاصة قد تدخل في المجال الذي تُصاغ فيه القواعد التي تحدد حجم السوق نفسه. وعندها لا يقتصر أثر العقد على تنفيذ القرار؛ فقد تصبح المصالح التي أنشأها جزءاً من القوى التي تقاوم تغييره.

ويمتد اختلال الحوافز إلى احتجاز المهاجرين في الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، حيث تتحول سياسات الحدود والهجرة إلى طلب على المرافق والحراسة والنقل والرعاية والإدارة. فكل توسع في الاحتجاز أو إطالة لمدته يزيد حجم الخدمات المطلوبة، ويصبح وجود الإنسان داخل المنظومة أساساً لحساب التكلفة والعائد. وهنا تبلغ عملية التسليع مستوىً أكثر حساسيةً؛ إذ تتحول الحالة القانونية والإنسانية إلى وحدة إدارية قابلة للحساب. غير أن هذه الأسواق تصنعها الدولة بقوانينها وتمويلها وسياساتها التي تحدد حجم الطلب وشروطه؛ وهو ما يعيد السؤال من السوق إلى السلطة.

الدولة المتعاقدة: خصخصة التنفيذ وتشظي المسؤولية

يكشف اتساع التعاقد الخاص أن رأسمالية الكوارث ترتبط بتغير الطريقة التي تمارس بها الدولة وظائفها. فهي تحتفظ بسلطة التشريع، وتحدد السياسات الأمنية والاجتماعية، وتمول تنفيذها، بينما تنتقل أجزاء متزايدة من السجون والهجرة والإسكان والرعاية والصحة والأمن إلى شركات متعاقدة. وهكذا تتحول الدولة من مقدم مباشر إلى ممول ومنظم ومتعاقد، وتتوسط الشركة بين القرار السياسي وأثره اليومي. ويمتد أثر هذه الصيغة إلى توزيع السلطة والمسؤولية؛ فهي تفصل بين من يقرر ومن ينفذ، وتجعل تحديد المسؤولية عن النتائج أكثر تعقيداً كلما تعددت الأطراف.  

يتضح هذا التحول حين تنتقل الشركة من تنفيذ مهمة منفردة إلى إدارة شبكة من الوظائف العامة. ففي المملكة المتحدة توسعت شركات مثل «سيركو» و«جي فور إس» من عقود محدودة إلى السجون واحتجاز المهاجرين والإسكان والنقل والصحة. وتستمد هذه الأسواق وجودها من سلطة الدولة نفسها؛ فالسجن الخاص يقوم على قرار العقاب، ومركز الاحتجاز على سياسة الهجرة، والترحيل على قرار حكومي تنفذه جهة متعاقدة. ولذلك يتوافق توسع القطاع الخاص هنا مع استمرار السلطة العامة، فيما تتغير الكيفية التي تصل بها هذه السلطة إلى الفرد.

ويعقّد الفصل بين القرار والتنفيذ تحديد المسؤولية عن النتائج والمخرجات. ففي مراكز احتجاز المهاجرين التي يديرها متعاقدون خاصون يعرض الكتاب حالات من سوء المعاملة وضعف الرعاية الصحية، ويقدم «يارلز وود» مثالاً على تداخل مسؤولية الحكومة مع الشركة المشغلة. وتكشف وفاة جيمي موبينغا أثناء ترحيله من بريطانيا عام 2010 حساسية هذا الترتيب بصورة أشد؛ فموظفو شركة خاصة كانوا ينفذون قراراً يستند في أصله إلى سلطة الدولة على الترحيل والإكراه. ومع تعدد المقاولين الفرعيين والسرية التجارية يصبح الوصول إلى المعلومات ومحاسبة المسؤول أكثر صعوبةً. وبذلك تتوزع المسؤولية بين السياسة التي أجازت التدخل، والجهة التي نفذته، والطريقة التي صُمم بها العقد.

وتتسع هذه المسافة في أستراليا، حيث امتد التعاقد من إدارة مراكز الاحتجاز داخل البلاد إلى مرافق في ناورو وجزيرة مانوس. فقد تولت «سيركو» إدارة مراكز داخلية، بينما دخلت شركات مثل «جي فور إس» و«ترانسفيلد» في تشغيل منظومة الاحتجاز الخارجي. ومع تشدد سياسات الحدود وزيادة أعداد المحتجزين، اتسعت الحاجة إلى الحراسة والنقل والإدارة والرعاية، فتحول القرار السياسي إلى سوق تمولها الدولة. غير أن الإبعاد الجغرافي أضاف طبقةً أخرى إلى توزيع المسؤولية؛ فطالب اللجوء يخضع لسياسة أسترالية داخل منشأة تقع في دولة أخرى وتديرها شركة متعاقدة، فتتوزع التبعات بين الحكومة صاحبة القرار، والدولة المستضيفة، والجهة المشغلة. ويتيح هذا الترتيب معالجة إخفاقات التنفيذ بتغيير الشركة أو تشديد الرقابة مع بقاء السياسة التي أنشأت الحاجة إلى هذه الخدمات على حالها.

ومع ذلك تظل الدولة في أصل هذه الأسواق؛ فهي التي تستطيع تعديل القوانين، وتوسيع العقود أو تقليصها، وإسناد الخدمات إلى الشركات أو استعادتها. فالشركات تستفيد من طلب تصنعه السياسات الحكومية، فيما تستفيد الحكومات من قدراتها التنفيذية ومن المسافة التي يتيحها التعاقد بينها وبين الممارسة اليومية. وتصبح هذه المسافة أكثر حساسيةً حين تمتد إلى المسؤولية السياسية؛ إذ يتجه النقد عند الإخفاق إلى المتعاقد، بينما يستطيع المتعاقد الإشارة إلى السياسة التي كُلّف بتنفيذها. وبهذا تعيد الخصخصة توزيع ممارسة السلطة وتبعاتها.

مأسسة الاستثناء: حين تصبح الطوارئ عملاً معتاداً

يبدأ الاستثناء في اكتساب صفة الدوام حين تتكرر العقود وتتراكم لدى الشركات الخبرات والأنظمة التشغيلية التي تعتمد عليها المؤسسات الحكومية. عندها تتغير العلاقة من شراء خدمة محددة إلى اعتماد مؤسسي يصعب تفكيكه سريعاً؛ إذ تستمر المراكز، وتتجدد العقود، وتُعالج إخفاقات الأداء بتغيير المتعاقد أو تشديد الرقابة وتحسين الإدارة. ومع الوقت يتغير السؤال؛ إذ تتقدم كفاءة تشغيل المؤسسة على مساءلة السياسة التي جعلت الحاجة إليها دائمةً. وهكذا يستطيع إصلاح التنفيذ أن يطيل عمر الترتيب الذي أنتج المشكلة بدلاً من أن يعيد النظر في أصله.

ويظهر المسار نفسه حين تعبر أدوات الطوارئ من الحرب الخارجية إلى الإدارة الداخلية. فقد وسعت الحرب على الإرهاب سوق المراقبة والتجهيزات الأمنية في الولايات المتحدة، وانتقلت معدات عسكرية إلى أجهزة الشرطة المحلية، كما ظهر بوضوح في أحداث فيرغسون. ومع رسوخ هذه الأدوات داخل البنية الأمنية تصبح الحاجة إلى الاستعداد للتهديد جزءاً من تصميم المؤسسات وميزانياتها، وتجد الشركات طلباً مستقراً على ما طورته في سياق الحرب. وعندئذ يتجاوز الاستثناء المكان واللحظة اللذين نشأ فيهما؛ إذ يدخل في المؤسسات العادية ويعيد تشكيل الطريقة التي تمارس بها وظائفها اليومية.

ولا يقتصر هذا التحول على المجال الأمني؛ فالسجون ومراكز احتجاز المهاجرين والخدمات التي بدأت أو توسعت تحت ضغط الخوف أو الأزمة تكتسب مع الزمن شبكات من الموظفين والموردين والعقود والخبرات والمصالح المحلية. وكلما تراكمت هذه العناصر، ارتفعت كلفة تغيير المسار؛ لأن إغلاق مؤسسة أو تقليص سياسة لم يعد يمس قراراً إدارياً منفرداً، وإنما يعيد ترتيب مصالح اقتصادية وبنى تشغيلية أصبحت جزءاً من العمل المعتاد.

وتكشف هذه النقطة الفارق بين استمرار الدولة واستمرار الترتيب الذي اختارته. فالحكومات تظل قادرةً من حيث المبدأ على تغيير القوانين والعقود واستعادة الخدمات أو تقليصها، غير أن الاعتماد المتراكم على الشركات والخبرة الخارجية والمرافق القائمة يجعل هذا القرار أكثر كلفةً وتعقيداً. وتتحول البنية التي قُدمت في الأصل باعتبارها حلاً سريعاً إلى ترتيب يصعب استبداله، حتى يصبح تحسين أدائها أقرب إلى الممكن سياسياً من إعادة النظر في الحاجة إليها. وعندئذ يترسخ السوق من خلال قرارات الدولة المتكررة، حتى يصبح جزءاً من الطريقة التي تتصور بها أداء وظائفها.

قيمة الكتاب وحدوده

تكمن قيمة الكتاب في قدرته على جمع حالات تبدو متباعدةً – من الحرب والإغاثة واستخراج الموارد إلى السجون والهجرة وخصخصة الخدمات – داخل بنية واحدة تكشف الكيفية التي تتحول بها الأزمات والحاجات العامة إلى أسواق، ثم كيف تتراكم حول هذه الأسواق مصالح وعقود ومؤسسات تمنحها قدرةً على الاستمرار. وتزداد قوة الحجة حين ينتقل لوينشتاين من وصف الأرباح إلى تفكيك العلاقة بين الدولة والشركات؛ فالدولة تظل حاضرةً بالقانون والتمويل وصنع السياسات، فيما تتولى الشركات جانباً من التنفيذ وتستفيد من الطلب الذي تنشئه تلك السياسات. وبهذا يوسع الكتاب معنى رأسمالية الكوارث من استغلال الصدمة في الصيغة التي اشتهرت بها عند نعومي كلاين، إلى تتبع ما تتركه الأزمات من ترتيبات اقتصادية ومؤسسية يمكن أن تستقر داخل العمل المعتاد للدولة.

وتظهر حدود الكتاب بصورة أوضح في المسافة بين كشف المصالح وإثبات أثرها في صناعة السياسات. فلوينشتاين ينجح في تتبع العقود والأرباح وشبكات الضغط والعلاقات التي تربط الشركات بالسلطات العامة، ويبين كيف تستفيد بعض القطاعات من استمرار السجن أو الاحتجاز أو الإنفاق الأمني؛ غير أن تحديد مقدار تأثير هذه المصالح في القرار السياسي يحتاج أحياناً إلى بناء سببي أكثر تفصيلاً. وتثير مادة الكتاب كذلك سؤالاً يتجاوز نقد الشركات إلى مسؤولية الدولة التي تنشئ كثيراً من هذه الأسواق بقوانينها وميزانياتها، ثم تستعين بالقطاع الخاص في تنفيذها، بما يجعل المشكلة متصلةً بتصميم السياسة العامة نفسها بقدر اتصالها بسلوك المتعاقدين. أما البدائل التي يستعرضها المؤلف في خاتمته، من زيادة الشفافية والمحاسبة إلى استعادة بعض الخدمات وتمكين المجتمعات من مواردها، فتظل أقل تطوراً من قوة التشخيص؛ إذ يوضح الكتاب جيداً كيف تترسخ المصالح حول الكارثة، ويترك مفتوحاً السؤال الأهم؛ عن المؤسسات والحوافز القادرة على تفكيكها من دون إعادة إنتاجها في صورة أخرى.

الخاتمة

يكشف لوينشتاين أن رأسمالية الكوارث تبلغ صورتها الأكثر رسوخاً حين تتحول الاستجابة للأزمات إلى ترتيبات مؤسسية مستقرة، تحكمها القوانين والعقود والميزانيات، وتعيد توزيع القرار والتنفيذ والكلفة والعائد. ومع تراكم الخبرات والوظائف والمصالح حول هذه الترتيبات، قد يصبح استمرار الحاجة شرطاً لاستمرار النشاط الاقتصادي، ويغدو تغيير السياسات أكثر صعوبةً. وهكذا تنتقل رأسمالية الكوارث من استثمار الضرر إلى بناء مصالح تستمد استقرارها من بقائه، حتى يصبح استمرار الحاجة التي خلّفتها الكارثة أحد شروط استمرار السوق الذي نشأ حولها.


بيانات الكتاب

  • العنوان: رأسمالية الكوارث: كيف تجني الحكومات والشركات العالمية أرباحا طائلة من ويلات الحروب ومصائب البشرية؟
  • المؤلف: أنتوني لوينشتاين.
  • المترجم: أحمد عبد الحميد.
  • الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت.
  • السلسلة: عالم المعرفة، العدد 478.
  • سنة النشر: 2019 م.
  • عدد الصفحات: 439 صفحة.

اكتشاف المزيد من ماسنجر المسلم

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من ماسنجر المسلم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة