Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
ما يهم المسلم

ضرورة تعزيز القيم الأخلاقية في التمويل الإسلامي

ضرورة تعزيز القيم الأخلاقية في التمويل الإسلامي


يتناول البحث مركزية القيم وتجذرها في منظومة التمويل الإسلامي وأهمية الأخلاق وفاعليتها في إطار التمويل وأنها دعامة أساسية لاستقرار سوق التمويل الإسلامي ونموه .

ويؤكد البحث على أن القيم الأخلاقية ضرورة لازمة للتمويل الإسلامي لا ينفك عنها وأن المعاملات المالية في النظام الإسلامي محكومة بهذه المبادئ الأخلاقية .

ويفترض البحث أن حضور القيم الأخلاقية وتعزيزها وسط التمويل الإسلامي يساهم بأثر حقيقي ملموس في الاستقرار والنمو وكسب أسواق جديدة ، وأن غياب القيم الأخلاقية أو ضمورها يؤدي إلى تعثر سوق التمويل الإسلامي ويعرضه لمخاطر حقيقية .

بعض الحِيَل الشرعية الشائعة في التَّورُّق
دور مؤسسات التمويل الإسلامي الأصغر في مكافحة الفقر

ويؤكد البحث على أصول القيم الأخلاقية التي تشتمل على باقي القيم  وهي اعتبار مصلحة الجماعة وتغليبها على المصلحة الفردية وعدم الأنانية و الأمانة والصدق والعدل وحسن التعامل .

المقدمة

يشهد التمويل الإسلامي تطوراً ملحوظاً على مستوى دول العالم الإسلامي والعالم أجمع ، ونمواً متزايداً حيث وصل حجم الأصول المصرفية الإسلامية العالمية إلى 1.6 تريليون دولار عام 2012م  (1) . وتتوالى الأخبار بدخول التمويل الإسلامي إلى أسواق جديدة في غرب العالم وشرقه.

ومن أبرز العوامل المساعدة على استقرار سوق التمويل الإسلامي  ونمو المصرفية الملتزمة بأحكام الشريعة الإسلامية تعزيز القيم الأخلاقية في مجال إدارة الأموال واستثمارها وتسويق المنتجات المصرفية وشروط العقود المبرمة و التدقيق المحاسبي .

ويكفي للدلالة على الأثر الفعال للأخلاق على السوق المالية  أن ” الخطر الأخلاقي ” أحد أعظم المشكلات التي تواجه مؤسسات التمويل والائتمان ، فالقيم الأخلاق لها أثر ملموس سلباً وإيجاباً.

و تحظى القيم الأخلاقية بمكانة محورية في المنظومة الاقتصادية الإسلامية ، فالأخلاق جوهر التعاملات في المنظور الإسلامي و ” من وجهة نظر الاقتصاد الإسلامي فالنظرية الاقتصادية لا يمكن فصلها عن الأبعاد الأخلاقية والاجتماعية ” (2)

إن الاقتصاد الإسلامي أخلاقي بالضرورة وفي نفس الوقت فإنه واقعي يراعي الظروف ، و التمازج التام بين القيم الأخلاقية و أصول المعاملات المالية الإسلامية أمر ظاهر ، وقد انتبه إلى التلازم بين الاقتصاد والأخلاق في النظام الإسلامي باحث غير مسلم حيث قال  : ” الإسلام هو نظام الحياة التطبيقية والأخلاق المثالية والرفيعة معاً ، وهاتان الوجهتان مترابطتان لا تنفصلان أبداً ، ومن هنا يمكن القول : إن المسلمين لا يمكنهم أن يقبلوا اقتصاداً علمانياً ، والاقتصاد الذي يستمد قوته ونجاعته من وحي القرآن يصبح بالضرورة اقتصاداً أخلاقياً “. (3) 

وثمة اهتمام عالمي بتعزيز القيم الأخلاقية وإشاعتها في التعاملات المالية نظراً لجدواها العملية في تفادي الأزمات المالية ، ومن المبادرات الحسنة في هذا الإطار ”  إنشاء كرسي علمي مشترك باسم الأخلاق  وضوابط التمويل بالاتفاق بين معهد الاقتصاد الإسلامي بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة وجامعة السوربون باريس بنتيون- 1 في باريس  يوم 30/11/2011  ” (4)

و القيم الأخلاقية في الأصل من الفطرة البشرية التي يشترك  عامة الناس فيها ممن لم تتبدل فطرهم ، فالناس على اختلاف مشاربهم متفقون على أهمية الصدق والعدل في المعاملة ، و هناك اتجاهات فكرية في الغرب تنادي بأهمية تعزيز الاقتصاد الأخلاقي أو اقتصاد القيم أو ما يسمى أحياناً بالاقتصاد الإنساني ، وهو التوجه الذي يرفض المادية التي تتسم بها الرأسمالية وما يوصف بـ ” الداروينية الاجتماعية ” التي تصبغ الحياة اليومية في الغرب .

ويجدر التفريق هنا بين التمويل الأخلاقي ( Moral Finance ) والتمويل القائم على الأخلاقيات (Ethical Finance) الذي يأخذ بعين الاعتبار من حيث المخرجات بعض المعايير الاجتماعية أو البيئية لكنه لا يتدخل في المدخلات لتحريم الربا مثلا” (5)

فالتمويل الأخلاقي يتقاطع مع التمويل الإسلامي ويندرج تحت الأصول المحددة لمواصفات التمويل المنضبط بالأحكام الشرعية الإسلامية ، وأما التمويل القائم على الأخلاقيات فيجتمع مع التمويل الإسلامي في بعض النقاط ، ويبقى من المهم الرجوع إلى المنظور الإسلامي في تأطير الأخلاق وبيان حسنها من قبيحها حيث أن الاجتهادات البشرية قد تختلف في توصيف الأخلاق و وزن القيم ، هل هي إيجابية أو سلبية ، حتى تتم السلامة من الوقوع في ضغوط النفعية المادية أو الذرائعية .

تعريف القيم الخلقية

القيم لغة : ” تورد المعاجم اللغوية مجموعة من الدلالات لكلمة ( قيمة ) وجمعها ( قيم ) ، وتظهر  الأصول اللغوية أن كلمة القيمة مشتقة من الفعل (قوم) الذي تتعدد موارده ومعانيه ، فقد استخدمت للدلالة على معانٍ عدة منها ثلاثة هي : الصلاح والاستقامة : فالشيء القيم ماله قيمة بصلاحه واستقامته ، وأورد الراغب ان الدين القيم هو الثابت المُقوِّم لأمور الناس ومعاشهم ” و أمرهم مستقيم ، وخُلُق قَيِّم حسن ، ودين قيّم مستقيم “. (6)

و أما القيم اصطلاحاً : فإن ” القيم الإسلامية هي مجموعة من المثل العليا والغايات والمعتقدات والتشريعات والوسائل والضوابط لمعايير لسلوك  الفرد والجماعة ، مصدرها الله عز وجل وهذه القيم هي التي تحدد علاقة الإنسان وتوجهه إجمالاً وتفصيلاً مع الله تعالى  ومع نفسه ، ومع البشر  ومع الكون ، وتتضمن هذه القِيَم غايات ووسائل ” (7)

وأما الخلق لغة فقد عرفه صاحب القاموس بقوله : ” الخلق بالضم وبضمتين : السَّجية والطبع ، والمروءة والدين ، ومنه حديث عاشة رضي الله عنها : ( كان خُلُقُه القرآن ) أي متمسكاً بآدابه وأوامره ونواهيه ، وما يشتملُ عليه ، وخالِقهم : عاشرهم بخلق حسن” (8)

و اصطلاحاً : عرف بعض الباحثين الأخلاق في نظر الإسلام بأنها عبارة عن ( مجموعة المبادئ والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني التي يحددها الوحي لتنظيم حياة الإنسان ، وتحديد علاقته بغيره على نحو يحقق الغاية من وجوده في هذا العالم على أكمل وجه. (9)

تعريف التمويل الإسلامي

التمويل لغة : تموَّلت ، واستملت : كثر مالك ، وموّلهُ غيره. (10)

و التمويل الإسلامي : ” يقصد به إعطاء المال من خلال إحدى صيغ الاستثمار  الإسلامية من مشاركة ومضاربة. (11)

 أما المؤسسات المالية الإسلامية : ” فهي تشمل جميع الشركات والمؤسسات المالية التي تعمل في نطاق المال والاقتصاد ، سواءاً كانت مصرفاً ، أم شركة للاستثمار ، أو التمويل ، أو التأجير ، و نحو ذلك”. (12)

مركزية القيم الأخلاقية في النظام الإسلامي

إن الأخلاق ليست إضافة تحسينية و محض فضيلة سلوكية مستحبة داخل النظام المالي الإسلامي ، بل هي مركز يتسم بالمحورية وسط المنظومة الإسلامية ، وأمر جوهري له أهميته وأثره على كل سلوك اقتصادي يقوم به الفرد المسلم .

وقد أولى الإسلام عناية قصوى بالأخلاق وجعلها من صميم العقيدة ، فالأخلاق الفاضلة من شُعَب الإيمان، وأكد الشارع الحكيم على التحلي بمكارم الأخلاق في كل شأن من شؤون المؤمن في حياته اليومية، وأيضاً يظهر بجلاء اقتران الأحكام التشريعية المنظمة لتعاملات الناس بالقيم الأخلاقية ، فالفقهاء يركزون على أهمية النية والمقصد في كل مسألة، ويبينون أثر الباعث على أي عمل على حكمه شرعاً،

و يؤكدون على أنه لا يكفي المكلفَ أن يؤدي العمل المطلوب إن خلا من مقصد الشارع الحكيم ” فالنية لها مقام عظيم في الشريعة الإسلامية فهي مناط الثواب في الآخرة وعلى أساسها يكون العمل مرضياً عند الله أو مردوداً على صاحبه وإن كان مستوفياً شروط الصحة ” (13)

وأساس القيم الموجهة للنشاط الاقتصادي في الإسلام هو الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر ، فهذه العقيدة السليمة هي التي ترشد الإنسان إلى الحق والصواب في تعامله مع الخالق والكون والبشر، و تملي عليه الضوابط اللازمة لصلاح العيش و استقرار الحياة ، ومصدر التوجيه في النظام الاقتصادي المحكوم بالشريعة الإسلامية إلهي وليس من وضع البشر ، ” فالاقتصاد الإسلامي رباني المصدر ” (14) ، يستمد مبادئه من القرآن الكريم والسنة النبوية وهما الوحي الموجه لسلوك الإنسان إلى أقوم طريق لعمارة الأرض وإصلاح الحياة .

والخصيصة الفريدة للمنهج الإسلامي أن القيم الأخلاقية وثيقة الصلة بتدين الإنسان ، و أن الإيمان بالله واليوم الآخر يبعث المرء على حسن التعامل مع الآخرين ، ويجعله لا يغفل عن المراقبة الذاتية ، وقد ورد الوعد بحسن الجزاء في الآخرة لمن حسن خلقه و أنه ليس في الميزان شيء أثقل من حسن الخلق .

ثم إن امتثال التكاليف الشرعية الواردة في المعاملات المالية من تحريم العقود الفاسدة التي تحتوي على الربا والغرر والإضرار بالآخرين والالتزام بمسلك أخلاقي في استثمار الأموال وتنميتها  و أداء الحقوق يحتاج إلى قناعة راسخة لا تتأتى إلا باعتقاد سليم و إيمان صادق ، ولذا فكثيراً ما يرد في النصوص الشرعية  الحث على تزكية النفس وتطهيرها من الشح و الظلم .

وثمة ملمح إعجازي في التشريع المالي فيما يختص بتحريم الربا والتأكيد على تهذيب النفوس أشار إليه أ.د. رفعت السيد العوضي في دراسة له قائلاً : ” إن مجيء الربا متلواً بضمانات للمقرض يمثل أعلى درجات المعقولية ، لأن الذي يتنازل عن الربا يحتاج إلى ضمان ، والآيات التي تلت تشريع الربا جاءت بهذا الضمان وجاء الضمان وافياً بالمقصود ، ضمان من المقترض بوثيقة مشهود عليها ومأمور بها من الله ومربي الشاهد إسلامياً وفق ما جاء به الإسلام ، وضمان من الله المالك الذي يقدر إن شاء أن يعوض ماله وملكيته المقرض .

يمكن القول أيضاً : إن مجيء التربية سابقةً على التشريع الاقتصادي ثم مجيء الضمان تالياً لتشريع تحريم الربا يمثل نموذج الصياغة الذي لا نظير له ، ذلك أن الطبيعي أن يربى الإنسان أولاً لتتهيأ نفسه لقبول التشريع وبعد الالتزام بالتشريع يؤمن بالضمان “. (15)   

وكثيراً ما يقترن الحث على السماحة وطيب التقاضي و العدل مع النصوص التي تناولت المداينة والقرض والشركة .

إن الأخلاق الإسلامية تؤثر بشكل فعال في استقرار  ونمو وازدهار المصرفية الإسلامية وتسهم في تجنيبها الأزمات المالية ، و تعتبر القيم الأخلاقية دعامة أساسية تؤدي دوراً ضرورياً في نمو سوق التمويل الإسلامي وتوسع المؤسسات الإسلامية وزيادة انتشارها ، وذلك بعدة أمور منها :

اعتبار مصلحة الجماعة وتقديمها على المصلحة الذاتية

إن إيلاء الاعتبار لمصلحة الجماعة والحرص على ما فيه خير المجتمع وتقديم هذا الاعتبار على المصلحة الذاتية القاصرة على الشخص يدفع إلى توجيه المدّخرات لصالح المشاريع الاقتصادية المتصلة بالإنتاج الحقيقي المتمثل في سلع وخدمات أساسية تحقق الرفاه الاجتماعي وتسهم في عملية التنمية الاقتصادية، وبذلك تتجنب مؤسسة التمويل في النظام المالي الإسلامي النظرة المادية البحتة  التي لا تراعي إلا  المصلحة الذاتية التي تقتصر على تعظيم الربح (Maximizing Profit)  ويتم فيها تقديم التمويل للمشروعات الأكثر عائداً من حيث المداخيل المالية ولا يتم تمويل المشروعات ذات العائد الاجتماعي التي تسهم في تشغيل القوى العاملة وتوفير السلع والخدمات ذات الأولوية الربحية واستقرار الأسعار كما هو سائد في التمويل الرأسمالي الذي يقوم على الفائدة البنكية .

إن المبادئ الأساسية التي تقوم عليها المالية الإسلامية تقتضي المشاركة في الأرباح والخسائر ، وعدم الربح بدون تحمل مخاطر الاستثمار ، و عدم الاحتكار ، و عدم استغلال حاجات الآخرين وعدم الأنانية المقيتة . ” إن المقاربة الإسلامية تؤكد على تعظيم القيمة في ضوء المصلحة العليا للمجتمع بدلاً من السعي الأناني وراء تعظيم الأرباح  ، إن مبدأ تعظيم القيمة يرتكز على مفهوم العدالة ، والعمل النزيه هو الأخذ والعطاء  في مجال الأعمال التجارية وفقاً لجميع الأطراف المعنية ، في حين أن التعامل المنصف هو الفضيلة التي تؤدي بالفرد إلى أن يكون عادلاً مع نفسه ومع غيره ، وذلك بالامتناع عن إعطاء نفسه نفعاً أكثر مما تستحق ، أو إعطاء غيره أقل يستحقون ، وكذلك بالامتناع عن تفضيل نفسه بأقل أذى في حين يصاب الآخرون بالأذى الأكبر ، هذه هي قاعدة ” لا ضرر ولاضرار ” ، فإذا أصبحت العدالة جزءاً لا يتجزأ من تفاعلات التسويق فإن جواً من الوئام والتعاون المتبادل سوف ينشأ ، دون أن يكون لذلك أثر سلبي على الميزة التنافسية للمؤسسة ” (16).

إن النفس البشرية لو تركت بلا تهذيب ولا توجيه فإنها ستميل إلى الأثرة و تغليب المصلحة الذاتية والمنفعة الشخصية ولو كانت على حساب حقوق الآخرين ومكتساباتهم ، ولذا فلا بد من تقوية الوازع الديني الداعي إلى التخلق بمكارم الأخلاق من العدل وإنصاف الآخرين و سماحة النفس .

والعقيدة الإسلامية تمد المؤمن بنظر سديد و أفق واسع تجعله لا يقصر مدى بصره في رؤية المنفعة على حياته في هذه الدنيا ، بل إنه يرجو  ويثق بأنه وإن فوّت منفعة عاجلة فإنها ستُردّ إليه أضعافاً مضاعفة في الدار الآخرة وهي دار الحياة الحقيقة التي يتحقق فيها الخلود .

ومن صور تغليب مصلحة الجماعة والأمة على المنفعة الذاتية الفردية في النظام المالي الإسلامي فريضة الزكاة التي يقصد منها مواساة المساكين ، وإغناء الفقراء ،و تمثل نموذجاً رفيعاً لتوزيع الثروة بشكل دوري.

و أيضاً من صور تغليب المصلحة العامة العناية من قبل المؤسسات المالية الإسلامية بتسهيل منح التمويل للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والتي تقوم بدور كبير في دعم الاقتصاد الكلي و تساهم في التنمية الاقتصادية بشكل فعال ، فينبغي تمويل المشروعات التجارية ذات الجدوى الاقتصادية والربحية وتوزيع رأس المال العامل بين رواد الأعمال وعدم الانحياز بشكل كامل للمؤسسات التي لا يميزها سوى الملاءة المالية العالية .

 و عملياً فإن الاتجاه الغالب للأسف على مؤسسات التمويل هو تفضيل تمويل مشروعات المؤسسات الكبرى لأنها أقدر على تحمل المخاطرة ، مع أن دعم المؤسسات الصغيرة سيكون أثره أكبر من ناحية تحقيق التنمية الاقتصادية عبر تقليل نسبة البطالة ومرونة الأسعار بسبب عدم الاحتكار من قبل شركات عملاقة تسيطر على الإنتاج .

ومن صور تغليب المصلحة الجماعية على المصلحة الفردية تغليب عقود المشاركة و التعامل بها من قبل المؤسسات المالية الإسلامية وجعلها عماد النشاط الاستثماري ، وتقليل عقود المداينة ، فعقود المشاركة من المضاربة و غيرها تساهم بشكل ملموس في تحقيق التنمية الاقتصادية و توظيف الأيدي العاملة في المشروعات الإنتاجية و توفير السلع والخدمات التي توفر الرفاه ، بينما عقود المداينة تقتصر على تحقيق الأرباح للمؤسسة ، ولا تتجاوز توفير سلعة أو خدمة لعميل واحد فقط  في العملية التمويلية .

الأمانة :

الأمانة مبدأ إسلامي لا ينفكّ عن سلوك المسلم في كل أحواله ، وقد عرف النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته بالصادق الأمين حيث لقبه قومه بهذا اللقب الشريف حين رأوا منه الصدق في الوعود والأمانة في المعاملة حينما كان يتاجر ويتعامل معهم .

والتزام الأمانة في التعاملات المصرفية يستقر المركز المالي للمؤسسات المالية وذلك بسلامة نظامها المحاسبي من التزوير والتلاعب بغرض الكسب غير المشروع ، والسلامة أيضاً من المبالغة في تثمين الأصول الذي يؤثر على تحصيل المديونيات كما حصل في حالة ( الرهن العقاري ) من قبل المؤسسات المالية في الغرب الأمر الذي تسبب في الأزمة المالية العالمية في السنوات الأخيرة الماضية .

ومن ناحية أخرى يظهر أثر الأمانة في استقرار النظام المصرفي عند التزام العميل طالب التمويل من البنك بالأمانة وتحاشي الخداع و الكذب في المعلومات المقدمة حيث يستقر الوضع المالي لمؤسسة التمويل وتسلم من تعثر السداد الناشئ عن تخلف العميل ليس بسبب عُسره وضيق ذات يده وإنما بسبب إيثاره استهلاك ” التحسينيات ”  أو الاستهلاك التفاخري التبذيري .

وبتعهد المتعاملين في الصيرفة الإسلامية  بالتزام الأمانة يتم تقليل الخطر الأخلاقي “، (Moral Hazard) ويمكن تعريف الخطر الأخلاقي بأنه عبارة عن تصرفات الفاعلين الاقتصاديين (Economic Agents) في تعظيم منفعتهم الخاصة على حساب الآخرين ، وذلك عندما  لا يتحملون جميع الآثار ، أو عندما لا يتمتعون بجميع منافع تصرفاتهم بسبب عدم التأكد ، أو بسبب العقود الناقصة أو المقيدة التي تمنع تحميل جميع الأضرار والمنافع للطرف الآخر .

والعقد الناقص هو الذي يخلق نزاعاً بين منفعة طرف ومنفعة طرف آخر ، ويُعزى هذا النقص لعدة أسباب :

وجود معلومات غير متكافئة بين الطرفين ، أو حدود قانونية للتقاعد ، أو تكاليف تنفيذ العقود ، أو غير ذلك. (17)

وتمس الحاجة إلى التخلق بالأمانة وجعلها قيمة أساسية لدى كل مؤسسة وفرد في السوق المالي وذلك لتعلق المعاملات بمعلومات تخفى على كثير من الأطراف الداخلين في العملية ، وعلى سبيل المثال فتعاملات البورصة بيعاً وشراءً يكثر فيها خداع غير المتمرسين من قبل بعض المضاربين الذين يمكرون لجني الأرباح الطائلة في أقصر وقتٍ بالمضاربة على سهم معين ورفع سعره عن طريق زيادة الطلب عليه ، وعند اغترار الناس به وشرائه كمياتٍ كبيرة يقوم المتلاعبون بالسوق ببيع الأسهم التي قاموا باحتكارها محققين أرباحاً كبيرة على حساب الآخرين ، ومما يتصل بالأمانة في المعاملات أداء الحقوق إلى أصحابها من الدائنين و البائعين وقد وصى الله عز وجل في كتابه الكريم بالأمانة حيث قال الله تعالى : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) . ( النساء : 58)

وتظهر الأهمية العظمى للأمانة عملياً في جانبين مهمين في مؤسسات التمويل الإسلامي :

– التزام  موظفي المؤسسات المالية بالنزاهة واجتناب الاختلاس والتلاعب في سجلات المحاسبة ، ويكفي أن أحد المحطات الكبرى في الأزمة المالية العالمية والمتمثل في انهيار بنك ” سوسيتيه جنرال ” في فرنسا كان بسبب عمليات تزوير قام بها موظف واحد كلفت خسائر تقدر بملياري دلار .

– وأما أهمية التزام الأمانة من قبل عملاء المؤسسات المالية فيظهر في التزامهم بسداد المدفوعات وعدم التأخر في سداد الأقساط حتى لا تفوت الفرصة على مؤسسات التمويل في الاستفادة من السيولة واستثمارها لزيادة أرباح المؤسسة ، وأيضاً حتى لا تتكبد المؤسسات المالية أعباءاً إضافية تتمثل في مقاضاة ومتابعة المتخلفين عن السداد .

وعملياً تحرص مؤسسات التمويل والدول على مستوى العالم على الحصول على تصنيف ائتماني رفيع ليعكس صورة ممتازة عن الملاءة المالية للمؤسسة أو الدولة مما يشجع رؤوس الأموال الدولية على الاستثمار في هذا السوق أو ذاك ، ويشجع المؤسسات الدولية على التعامل مع هذا المصرف أو ذاك .

وفي الواقع فإنه بعد مسيرة مباركة لمدة زادت على ثلاثة عقود هي عمر المصرفية الإسلامية فقد برزت دراسات موضوعية تحاول التنبيه على الخلل الواقع في ممارسات بعض المصارف الإسلامية ومؤسسات التمويل  ، و لعل علاج هذا الخلل إنما يكون  تعزيز الأمانة من قبل منسوبي المؤسسات المالية ، فإن الأمانة هي القيمة الأساسية التي تحقق ثقة العملاء وجمهور الناس  في سلامة عمليات مؤسسات التمويل الإسلامي والتزامها بالضوابط الشرعية .

 ” ولا بد للمؤسسات المالية الإسلامية من التميز الحقيقي  ، لا الشكلي ، عن منتجات وممارسات المؤسسات المالية التقليدية ، فتحريم الإسلام للربا وعقود الغرر ونحوهما إنما كان لأجل آثاره الاقتصادية والاجتماعية السلبية الكارثية في المجتمعات ، لا باعتبار شكليات العقود الموصلة  إلى الربا والغرر ”  (18)

ومن الأمانة التزام المصداقية في تقديم البدائل الشرعية عن صيغ التمويل الربوي من العقود المجازة شرعاً وعدم محاكاة العمليات المصرفية التي تقوم بها البنوك التقليدية الربوية ، ” والتحمل الحقيقي من طرف المؤسسات المالية للأخطار في عقود التمويل بالبيع أو الإجارة أو المشاركة المتناقصة ونحو ذلك ، و الكف عن أساليب الالتفاف على الأحكام الشرعية التي تتبعها المؤسسات المالية الإسلامية لتضمين الجهات المتمولة منها  عبر عقود المشاركات والمضاربات والوكالات لرأس المال والعائد المتوقع منه ”  (19)

إن السمعة الحسنة للمؤسسات والأفراد داخل منظومة المال والأعمال شرط ضروري لكسب ثقة المتعاملين ، وذلك في أي سوق مالية أياً كان الإطار الفكري المنظم لعملياتها .

وقد حث الإسلام على الصدق وأكد على التزامه ، فهو الخلق الحميد الذي تنشأ عنه الفضائل والسلوكيات الطيبة ، و أرشد النبي صلى الله عليه وسلم المتعاملين إلى أهمية الصدق وأثره الفعلي على التعاملات التجارية فقال : ( البيعان بالخيار مالم يتفرقا فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما ) . (20)

والصدق يؤثر بشكل أساسي في استقرار السوق المالي من حيث تحقيق معايير الشفافية والإفصاح المالي، و يظهر الأثر الكبير لتحقق الصدق أو غيابه في جانب التمويل والتسويق في السوق المصرفي ، فمن حيث منح التمويل والائتمان فإن التزام طالب التمويل بتقديم المستندات الصحيحة المعبرة بوضوح عن وضعه المالي والمركز المالي لمؤسسته التي تطلب تمويل مشاريعها التجارية يساعد على سير عملية التمويل بسلاسة ، ومن الجهة المقابلة فيما يتصل بعملية التسويق المصرفي فإنه يلزم المصارف والمؤسسات المالية أن لا تبالغ في تصوير عروضها التسويقية بشكل لا يتفق تماماً مع الواقع لئلاً يؤدي ذلك إلى التغرير بالعملاء.

ومن الصدق الوفاء بالوعد والالتزام بسداد الدين في موعده المستحق وعدم التأخر في السداد مما يساعد على نمو سوق التمويل الإسلامي واستقراره .

العدل في الإسلام قيمة مطلقة مطلوب التزامها مع كل أحد وفي كل ظرف ، وقد تضافرت  النصوص الشرعية من الكتاب والسنة في الأمر بالعدل والحث على التزامه على الدوام ، من ذلك قول الله تعالى : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } ( سورة النحل : 90) .

وتظهر صور العدالة بشكل واضح في شتى المعاملات المالية الإسلامية والعقود التي يضبطها الفقه الإسلامي ، فالمبادئ الأساسية المستندة إلى الأحاديث النبوية والتي تشكل الإطار الحاكم لعقود المعاملات المالية في التمويل الإسلامي تبين عناية الشريعة الإسلامية بالعدل و حفظ حقوق جميع أطراف التعاقد ،ويظهر ذلك في القواعد الفقهية المستخدمة في باب المعاملات مثل قاعدة ” لا ضرر ولا ضرار ” ، وقاعدة ” الخراج بالضمان ” ، و قاعدة ” الغنم بالغرم ” ، ونحو هذا , وكذا النهي عن بيع المضطر.

واهتم الشارع الحكيم بمسألة الدخول في المخاطرة التي هي سمة العمل التجاري و التي بسببها يستحق المستثمر الربح فأكد على التزام الأطراف بشروط التقاعد ، فقد جاء في الحديث النبوي الشريف : ” المسلمون على شروطهم ” ، والحديث رواه أحمد وأبوداود والدارقطني (21) .

ومن صور العدل في النظام المالي الإسلامي القرض الحسن الذي هو من الأنشطة التي تقوم بها بعض المصارف الإسلامية وإن على نطاق ضيق ومؤسسات معدودة ، والقرض الحسن ليس فقط عدلاً بل هو عقد إرفاق وإحسان ، وبالمقارنة مع عقد القرض الربوي يظهر العدل التام المتمثل في القرض الحسن من حيث عدم التربح من خلال النقد الذي لم يساهم في أي نشاط تجاري .

ومن القضايا المهمة في مبدأ العدالة في عمليات التمويل  ” الاعتدال في فرض الرسوم والأرباح والغرامات على المتعاملين  . (22)

إن الأخلاق الإسلامية شاملة لكل فضائل السلوك و آداب التعامل و لذا فإنه من الواجب المهني للعاملين في المؤسسات المالية الإسلامية الاهتمام بحسن الخلق في استقبال العملاء والبشاشة في وجوههم والأريحية في التعامل معهم و الالتزام بأدب الخطاب ، والسماحة في التقاضي .

و أيضاً يحسن الانتباه إلى أن القيم الإسلامية المطلوب امتثالها في مؤسسات التمويل الإسلامي تمتد إلى الاحتشام في المظهر سواءً بالنسبة لأشخاص العاملين أو صور الإعلانات التسويقية لمنتجات المؤسسة ، و الاتصاف بكل مكارم الأخلاق التي يحث عليها الشرع الحكيم ، لأن ذلك عامل أساسي لجذب عملاء جدد وفي نفس الوقت المحافظة على العملاء الحاليين في ظل منافسة شديدة من قبل مؤسسات التمويل التقليدي الربوية ، وقبل كل هذا فإن التمويل الإسلامي يعتبر نافذة عالمية للشريعة الإسلامية تمثل الدين الإسلامي ، فعقود التمويل الإسلامي جزء من فقه المعاملات تهيأت له ظروف مواتية للتطبيق في مجتمعات غير إسلامية ، وبذلك صارت البنوك الإسلامية واجهة تعرض جانباً من الشريعة الإسلامية وواجب لازم على كل فرد في هذا القطاع الاجتهاد في عرض هذا الجانب في أحسن صورة ، وأيضاً هناك عملاء غير مسلمين يتعاملون مع البنوك الإسلامية في البلدان الإسلامية للاستفادة من مزايا التمويل فيحسن كسب ثقتهم و إعطاء صورة مشرِّفة عن السلوك الإسلامي .

خاتمة وتوصيات 

إن واجب الوقت و المهمة التي ينبغي الحرص على الاهتمام بها هو تجذير القيم الأخلاقية المستمدة من العقيدة الإسلامية سلوكاً ماثلاً في أوساط الاقتصاد الإسلامي والقطاع التمويلي بشكل أخص ، ” وإذا كانت مهمة الاقتصاد الإسلامي ليست مجرد تحليل ما هو كائن ، بل أيضاً ما يجب أن يكون ، فإن افتراض انتشار القيم الإسلامية لا يمكن أن يكون مفيداً إذا كانت هذه القيم منتهكة في الحقيقة والواقع على وجه العموم ، فإن إصلاح جميع جوانب المجتمع ذات العلاقة تجعل القيم والمؤسسات الإسلامية حقيقة واقعية يجب أن يكون داخلاً في مهمة الاقتصاد الإسلامي ”  (23)

إن مهمة نشر القيم الأخلاقية يمثل تحدياً  في ظل نظام العولمة و الغزو الثقافي وانتشار المفاهيم المادية وغلبة الرأسمالية ، ولكن توفّر أدبيات عديدة مصنفة في هذا الباب و وجود أساس عملي جيد لانتشار القيم الإسلامية بين أوساط العاملين في المالية الإسلامية و مجتمعات المسلمين بشكل عام يساعد ويعين بشكل كبير على تجاوز هذا التحدي .

ويوصى بنشر المبادئ الأخلاقية و تعزيز قواعد السلوك المهنية المطلوبة من المؤسسات والأفراد في المجال المالي ، وفي هذا الصدد يوجد ( ميثاق أخلاق العاملين في المؤسسات المالية الإسلامية الصادر عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية ) ، كما يجدر بإدارات المصارف الإسلامية أن تعنى بتفعيل الرقابة على العقود التي تجريها.

و يوصى بإعداد مناهج حديثة عن القيم الإسلامية في المجال المالي والاقتصادي تدرَّس لكليات الإدارة والاقتصاد لكي تساهم في إعداد موظفين يتحلون بأخلاق الإسلام ويلتزمون بتعاليمه السامية في ميادين المال والأعمال ، وأيضاً تدريس القيم الأخلاقية في المرحلة الثانوية لطلاب المدارس ، وذلك لأن التعاملات المالية عبر المصارف وأسواق البورصة صارت من الأمور الحياتية اليومية التي يزاولها أغلب الناس ، وصار الآن تدريس ثقافة الاستثمار والادخار لطلاب المدارس الثانوية من  البنين بمنزلة تدريس مادة التدبير المنزلي للطالبات البنات .

ويوصى أيضاً ببث القيم الأخلاقية المتصلة بالعلميات المالية و نشرها في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والصحف ووسائل النشر الالكتروني .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى