مستقبل أسواق العمل العربية في عصر الذكاء الاصطناعي

في عالمٍ يتسارع نحو الأتمتة، ويُعيد الذكاء الاصطناعي (AI) تشكيل مفاهيم العمل، الإنتاج، والقيمة، تجد المنطقة العربية نفسها أمام مفترق طرق وجودي: إما أن تُصبح رائدةً في اقتصاد المستقبل، أو تُترك خلف الركب في عالمٍ يُدار بالخوارزميات. فبينما تُقدّر التقارير العالمية أن الذكاء الاصطناعي سيسهم بـ4.4 تريليون دولار في الاقتصاد العالمي بحلول 2030، تبقى معدلات البطالة بين الشباب العربي عند 28.6% — أكثر من ضعف المتوسط العالمي.
في هذا السياق، تأتي الورقة البحثية “الذكاء الاصطناعي والتغييرات في هيكلية أسواق العمل في المنطقة العربية” للدكتور غازي إبراهيم العساف، أستاذ الاقتصاد المشارك في أكاديمية جوعان بن جاسم للدراسات الدفاعية ،كنداءٍ استباقيّ لرسم خارطة طريق وطنية تُجسّد التحوّل من التهديد الوجودي إلى الفرصة التنموية. وتُركّز هذه الورقة على تحليل التحديات البنيوية، والفرص الكامنة، والتوصيات العملية في ظلّ تفاوتٍ صارخ في جاهزية الدول العربية للثورة الرقمية.
عصر الذكاء الاصطناعي .. مفترق طرق وجودي للعالم العربي
يعيش العالم اليوم لحظة فارقة في تاريخ التطور الاقتصادي والتقني، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية مساعدة، بل تحول إلى محرك رئيس يعيد تشكيل الهياكل الاقتصادية والاجتماعية بعمق وسرعة غير مسبوقتين.
تقدم هذه الورقة البحثية المهمة، الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في مطلع عام 2026، قراءة نقدية وتحليلية لموقع المنطقة العربية من هذه التحولات.

تتميز الموجة الحالية من التطور التقني، التي تسارعت وتيرتها بشكل ملحوظ منذ عام 2022، باختلافها الجوهري عن موجات الأتمتة السابقة. فبينما استهدفت الثورات الصناعية السابقة الوظائف اليدوية والروتينية، فإن ثورة الذكاء الاصطناعي الحالية تقتحم حصون “الوظائف المعرفية” غير الروتينية، مهددة أو معززة مهناً كانت تُعتبر حتى وقت قريب حكراً على العقل البشري، مثل التحليل المالي، والبرمجة، والاستشارات القانونية.
تكتسب هذه الورقة أهمية استثنائية عند إسقاطها على الواقع العربي؛ إذ تواجه المنطقة تحديات بنيوية مركبة، أبرزها ارتفاع معدلات بطالة الشباب التي تبلغ 28.6% (مقارنة بالمتوسط العالمي 13.2%)، وتركز القوى العاملة في قطاع الخدمات الأكثر عرضة للأتمتة، بالتزامن مع فجوة رقمية عميقة حيث لا تتجاوز نسبة المواهب الرقمية 1.7%.
الطوفان القادم.. قراءة في المؤشرات والتقديرات العالمية
تتفق المؤسسات الدولية الكبرى على حتمية التغيير، وإن تباينت في تقدير حجمه. تشير التقديرات إلى أن التحولات الهيكلية قد تطال نحو 22% من الوظائف العالمية خلال الفترة (2025-2030). وتذهب تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن 40% من الوظائف عالمياً معرضة للتأثر، وترتفع هذه النسبة إلى 60% في الاقتصادات المتقدمة نظراً لنضجها التقني، بينما تنخفض إلى 26% في الدول منخفضة الدخل.
وعلى الرغم من المخاوف المتعلقة بإزاحة الوظائف (حيث يتوقع إزاحة 92 مليون وظيفة)، فإن الصورة ليست قاتمة تماماً؛ إذ يُتوقع استحداث أكثر من 170 مليون وظيفة جديدة. اقتصادياً، يحمل الذكاء الاصطناعي وعوداً هائلة، حيث تشير دراسات “ماكنزي” إلى إمكانية إضافة ما بين 2.6 و4.4 تريليون دولار سنوياً للاقتصاد العالمي، وهو رقم يوازي الناتج المحلي لدولة بحجم المملكة المتحدة. وتتركز 75% من هذه القيمة المضافة في مجالات محددة: خدمة العملاء، التسويق والمبيعات، هندسة البرمجيات، والبحث والتطوير.
واقع سوق العمل العربي .. هشاشة ما قبل الطوفان الرقمي
لا يمكن قراءة مستقبل الذكاء الاصطناعي في المنطقة بمعزل عن فهم الواقع “المأزوم” الذي تعيشه أسواق العمل العربية حتى قبل وصول الموجة الرقمية العاتية. يجادل العساف بأن المنطقة تعاني من خلل بنيوي مزمن يجعلها أقل مرونة في امتصاص صدمات الأتمتة مقارنة بالأسواق العالمية الأخرى.
تتجلى ملامح هذه الهشاشة في ثلاث نقاط رئيسة:
1. قنبلة البطالة الشبابية:
تسجل الدول العربية أعلى معدل لبطالة الشباب في العالم بنسبة 28.6% (إحصاءات 2023)، وهو رقم يتجاوز ضعف المتوسط العالمي البالغ 13.2%. هذا المخزون الضخم من الشباب العاطل عن العمل يمثل تحدياً مزدوجاً: فهو عبء اجتماعي حالي، وفرصة ضائعة مستقبلاً إذا لم يتم تأهيلهم رقمياً.
2. التركّز في قطاعات مكشوفة:
يعتمد جزء كبير من القوى العاملة العربية على قطاع الخدمات، والوظائف الإدارية، والمهام الروتينية، وهي تحديداً المجالات التي تقع في “خط النار” المباشر لتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
3. فجوة المهارات العميقة:
على الرغم من ارتفاع نسب التعليم الجامعي، هناك انفصال تام بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق؛ إذ لا تتجاوز نسبة “المواهب الرقمية” في المنطقة 1.7% من إجمالي القوى العاملة ، مما يجعل القاعدة البشرية المؤهلة لقيادة التحول ضئيلة للغاية.
الجاهزية الرقمية العربية .. فجوات وتفاوتات حادة
يكشف تحليل مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لعام 2024 عن مشهد عربي منقسم بحدة، مما ينذر بتعميق الفجوات الاقتصادية داخل الإقليم نفسه.
1- دول الطليعة الرقمية (مجلس التعاون الخليجي):
تتصدر دول مجلس التعاون المشهد، حيث تحتل جميعها مراتب ضمن أفضل 80 دولة عالمياً.
- الإمارات العربية المتحدة: تتصدر عربياً وتحتل المرتبة 18 عالمياً، وهي الدولة العربية الوحيدة ضمن العشرين الأوائل.
- المملكة العربية السعودية: تأتي في المرتبة 31 عالمياً.
- قطر: تحتل المرتبة 38 عالمياً، وتتميز بأدنى معدل بطالة عالمي (0.13%).
2- دول تعاني فجوة رقمية:
في المقابل، تقبع دول عربية أخرى في مراكز متأخرة، مثل العراق (المرتبة 107)، والمغرب (المرتبة 100)، وتونس (المرتبة 95). هذا التفاوت يعكس ضعف البنية التحتية الرقمية، ونقص رأس المال البشري المؤهل، وغياب الأطر التنظيمية في تلك الدول.

حتى داخل الدول المتقدمة رقمياً، هناك مفارقة بين “الإنفاق” و”القيمة المحققة”. فعلى الرغم من أن 75% من مؤسسات دول مجلس التعاون تستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي (أعلى من المتوسط العالمي 65%)، إلا أن 11% فقط من هذه المؤسسات حققت قيمة فعلية ملموسة تؤثر في أرباحها بنسبة تتجاوز 5%.
العوائد الاقتصادية المتوقعة.. مليارات تنتظر الاستثمار
على الرغم من التحديات، تحمل الثورة الرقمية فرصاً اقتصادية ضخمة للمنطقة العربية إذا ما أُحسن استغلالها. تشير التقديرات إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يساهم بنحو 320 مليار دولار في اقتصادات الشرق الأوسط بحلول عام 2030.
- السعودية: يُتوقع أن تكون الرابح الأكبر بحصة تصل إلى 135.2 مليار دولار (12.4% من الناتج المحلي).
- الإمارات: يُتوقع أن تضيف 96 مليار دولار (13.6% من الناتج المحلي).
- مصر: يُقدر نصيبها بنحو 42.7 مليار دولار.
في دول مجلس التعاون الخليجي، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يضيف ما بين 21 و35 مليار دولار سنوياً إلى “الناتج غير النفطي”، مدفوعاً بقطاعات الطاقة، والمشاريع الرأسمالية، والخدمات المالية. وقد بدأت المنطقة بالفعل ضخ استثمارات ضخمة، مثل إطلاق الإمارات صندوق “MGX” برأس مال 100 مليار دولار، وإعلان السعودية عن مشروع “التفوق” (Project Transcendence) بقيمة مماثلة.
الخارطة القطاعية.. من الإزاحة إلى التعزيز
لا يؤثر الذكاء الاصطناعي في جميع القطاعات بالتساوي. تقدم الورقة تحليلاً قطاعياً دقيقاً يقسم المهن بناءً على درجة تعرضها للأتمتة:
1. القطاعات عالية المخاطر (الإزاحة والإحلال):
تأتي الخدمات المالية والمصرفية في صدارة القطاعات المهددة، حيث يتوقع أتمتة 70% من العمليات المصرفية الأساسية بحلول 2025. تشمل الوظائف المهددة بالإزاحة العالية:
- صرافو البنوك (تراجع متوقع بنسبة 15-31%).
- موظفو إدخال البيانات والخدمات البريدية.
- الأعمال الإدارية والمكتبية: حيث تُقدر منظمة التعاون الاقتصادي أن 80% من مهامها قابلة للأتمتة.
2- قطاعات التحول وإعادة التأهيل:
هناك مهن ستتغير طبيعتها جذرياً دون أن تختفي، وتتطلب مهارات جديدة، مثل:
- المبرمجون ومطورو البرمجيات: حيث تزيد أدوات الذكاء الاصطناعي من سرعة الإنجاز (مثال GitHub Copilot الذي زاد السرعة بنسبة 56%).
- المحللون الماليون.
3- القطاعات المنخفضة المخاطر (التعزيز والنمو)
تظل القطاعات التي تعتمد على “التفاعل الإنساني” والحكم البشري المعقد في مأمن نسبي، بل قد تشهد نمواً:
- الرعاية الصحية: الذكاء الاصطناعي هنا أداة “تعزيز” وليس “إزاحة”. فبينما تتفوق الأنظمة في تشخيص الأمراض (مثل سرطان الثدي)، يظل دور الطبيب جوهرياً للتعامل مع الحالات المعقدة، مع توقع نمو توظيف الأطباء بنسبة 13%.
- التعليم: الاعتماد على الدور التربوي للمعلم يجعل استبداله صعباً، مع دور للذكاء الاصطناعي في تخصيص التعلم.
- البناء والتشييد: نظراً لاعتماده على مهارات حركية في بيئات غير منتظمة.
معضلة المهارات .. “كعب أخيل” المنطقة العربية
تحدد الورقة “فجوة المهارات” باعتبارها التحدي الأكبر والأكثر إلحاحاً. عالمياً، سيحتاج 59% من القوى العاملة إلى إعادة تأهيل بحلول عام 2030، وهناك خطر حقيقي يهدد 120 مليون عامل بالبطالة لعدم القدرة على التكيف.
في المنطقة العربية، يبدو الوضع أكثر حرجاً لعدة أسباب:
1. ندرة المواهب:
لا تتجاوز نسبة المواهب الرقمية 1.7%، وهي نسبة ضئيلة جداً مقارنة بالطموحات المعلنة.
2. الانفصال بين التعليم والسوق:
يرى 70% من الرؤساء التنفيذيين في الشرق الأوسط أن نقص المهارات يهدد أعمالهم، حيث إن مخرجات التعليم لا تواكب طلب السوق المتزايد على مهارات التحليل النقدي، والأمن السيبراني، والتفكير الإبداعي.
3. تغير متطلبات الوظائف:
تشير التحليلات إلى أن ثلث الوظائف المعلنة إلكترونيًا في الدول العربية تتطلب مهارة رقمية واحدة على الأقل، و23% منها تتطلب مهارات ذكاء اصطناعي متخصصة.

استراتيجية المستقبل.. ماذا يجب أن نفعل؟
تختتم الورقة بتقديم خارطة طريق شاملة لصناع القرار في المنطقة العربية، تتجاوز الحلول الجزئية لتركز على أربعة محاور استراتيجية:
1- إصلاح جذري لمنظومة التعليم والتدريب:
لا بد من الانتقال من التعليم القائم على الشهادات إلى التعليم القائم على المهارات، ودمج المفاهيم الرقمية والبرمجة في المراحل المبكرة، والاستثمار بكثافة في تعليم العلوم والتقنية (STEM).
2- الاستثمار في البنية التحتية الرقمية
يتجاوز ذلك توفير الإنترنت؛ ليشمل إنشاء مراكز بيانات إقليمية تعزز السيادة الرقمية، وتوسيع شبكات الاتصال لتشمل المناطق الريفية والمهمشة لضمان تكافؤ الفرص.
3- شبكات حماية اجتماعية مرنة:
نظراً لحتمية فقدان بعض الوظائف، يجب تطوير أنظمة تأمين ضد البطالة، وبرامج تحويلات نقدية مشروطة بإعادة التدريب، وتوسيع المظلة لتشمل العمالة غير الرسمية والعاملين عبر المنصات الرقمية.
4- تطوير الأطر التنظيمية والتعاون الإقليمي:
تحتاج المنطقة إلى تشريعات توازن بين تشجيع الابتكار وحماية حقوق العمال، بالإضافة إلى معايير أخلاقية للذكاء الاصطناعي. كما تقترح الورقة إنشاء “مرصد عربي للذكاء الاصطناعي” لتعزيز القدرة التفاوضية للمنطقة وتبادل البيانات.
خاتمة
يخلص الباحث غازي العساف إلى أن المنطقة العربية تقف أمام نافذة فرصة ضيقة. إن التحول من موقع “المتلقي السلبي” للتقنية إلى “المشارك الفاعل” ليس خياراً ترفيهياً بل ضرورة وجودية. فالتأخر في الاستجابة لن يؤدي فقط إلى تفويت مكاسب اقتصادية بمليارات الدولارات، بل سيفاقم من أزمات البطالة ويعمق التبعية الاقتصادية. إن الطريق نحو المستقبل يمر حتماً عبر بوابة الاستثمار في الإنسان، وتزويده بمهارات العصر، ضمن رؤية عربية تكاملية تحول التحديات الرقمية إلى روافع للنمو والازدهار.




