هدي النبي ﷺ في التوسط والاعتدال

من جوامع كَلِمِه ﷺ “مَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ”، فعن عبد الله بنِ مسعود رضي الله عنه قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “مَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ” ([1]).
ما افتقر من أنفق فيها قصدًا ولم يتجاوز إلى الإسراف أو ما جار ولا جاوز الحد والمعنى إذا لم يبذر بالصرف في معصية الله، ولم يقتر فيضيق على عياله، ويمنع حقًا وجب عليه شحًا وقنوطًا من خلف الله الذي كفاه المؤمن ([2]).
قال الغزالي: نعني بالاقتصاد الرفق بالإنفاق وترك الخرق، فمن اقتصد فيها أمكنه الإجمال في الطلب ومن ثم قيل: صديق الرجل قصده وعدوه سرفه، وقيل: لا خير في السرف ولا سرف في الخير، وقيل: لا كثير مع إسراف.
ويجوز أن يكون معنى الحديث من قصد الله بالتقى والتوكل عليه لم يحوجه لغيره بل يكفله ويكفيه (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) {الطلاق: 3} فمعناه من يتق الله في الإقبال عليه والإعراض عما سواه يجعل له متسعًا، ومن قصد الله سبحانه لم تصبه عيلة وهي اختلال الحال أو الحاجة إلى الناس ([3]).
التوسط في الإنفاق بين الإفراط والتفريط
فعلى المسلم أن يتوسط في الإنفاق فلا يقتر، ولا يسرف، قال تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) {الإسراء: 29}.
فقد نهي الله الإنسان أن يمسك إمساكًا يصير به مضيقًا على نفسه وعلى أهله، ولا يوسع في الإنفاق توسيعًا لا حاجة إليه بحيث يكون به مسرفًا فهو نهى عن جانبي الإفراط والتفريط، ويتحصل من ذلك مشروعية التوسط وهو العدل الذي ندب الله إليه.
ولا تك فيها مفرطًا أو مفرطًا .. كلا طرفي قصد الأمور ذميم
وقد مثل الله سبحانه في هذه الآية حال الشحيح بحال من كانت يده مغلولة إلى عنقه بحيث لا يستطيع التصرف بها ومثل حال من يجاوز الحد في التصرف بحال من يبسط يده بسطا لا يتعلق بسببه فيها شيء مما تقبض الأيدي عليه وفي هذا التصوير مبالغة بليغة ثم بين سبحانه غائلة الطرفين المنهي عنهما فقال: (فَتَقْعُدَ مَلُومًا) عند الناس بسبب ما أنت عليه من الشح (مَحْسُورًا) بسبب ما فعلته من الإسراف: أي منقطعًا عن المقاصد بسبب الفقر ([4]).
التوسط في الإنفاق من صفات عباد الرحمن
وجعل الله عز وجل التوسط في الإنفاق من صفات عباد الرحمن، فقال عز من قائل: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) {الفرقان: 67}.
أي ليسوا بمبذرين في إنفاقهم فيصرفون فوق الحاجة ولا بخلاء على أهليهم فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم بل عدلا خيارًا، لا هذا ولا هذا، كما قال تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ).
- وقال الحسن البصري: ليس في النفقة في سبيل الله سرف.
- وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله تعالى فهو سرف.
- وقال غيره: السرف النفقة في معصية الله عز وجل ([5]).
- وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: “مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ رِفْقُهُ فِي مَعِيشَتِهِ” ([6]).
- قال مجاهد: ليرفق أحدكم بما في يده ولا يتأول قوله سبحانه وتعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ) {سبأ: 39} فإن الرزق مقسوم فلعل رزقه قليل فينفق نفقة الموسع ويبقى فقيرًا حتى يموت، بل معناها أن ما كان من خلف فهو منه سبحانه وتعالى، فلعله إذا أنفق بلا إسراف ولا إقتار، كان خيرًا من معاناة بعض التجارة ([7]).
- قال المناوي: هذا معدود من جوامع الكلم ([8]).




