هل سمعتَ عن ثقافة التكديس؟

إنّ تحقيق نهضة عمليّة بنائيّة منظّمة، يحتاج رؤيةً واضحة وأفكارًا متكاملة، كما يحتاج تراكمًا زمنيًّا بمعناه الاجتماعي، وعملًا مستمرًّا، وتدرُّجًا في تحقيق الأهداف، بغية الوصول إلى نتائج حقيقيّة لهذه السيرورة؛ تتمثّل في المنتجات المادّيّة والمعنويّة التي تجعلنا نعيش النهضة الحضاريّة واقعًا.
وليست النهضة توجُّهًا مستعجلاً إلى متجر الحضارة المعاصرة، بهدف شراء منتجاتها، وتكديسها في بلداننا، والتظاهر -من ثمَّ- أنّنا حقّقنا نهضتنا الحضاريّة المنشودة؛ إذ إنّ الحضارة هي التي تولّد منتجاتها لا العكس.
في السؤال عن ثقافة التكديس، الأثر والمجال!
لعل أبرز معوّقات النهضة الحضارية في بلدان المسلمين هو التوجه إلى بدل البناء الحضاريّ، فقد طغى على تفكيرنا -ما يصطلح عليه ابن نبي- “عالم الأشياء” حتى أعمى بصيرتنا وجعلنا نغفل عن تحقيق البناء المرحليّ التكامليّ، وأبدلناه بتكديس مُنتَجَات الحضارة إلى جانب بعضها البعض -أي منتجاتها المادية والمعنوية-، معتقدين أنّ هذه المنتجات هي ما يصنع الحضارة، في حين أن العكس هو الصحيح؛ حيث إن الحضارة هي التي تلِد منتجاتها فتتأتّى عنها وبها.
لا يمكن بأي حال من الأحوال لركام من المتناقضات التي جُمعت بشكل فوضوي ومتنافرٍ أن تسهم في بناء حضارة، أو -بالأحرى- السير قُدُمًا- بمجتمع استيقظ من نومه الذي دام عدة قرون، نحو دروب التحضّر، من خلال التكديس المادّي[1]، ومن هنا فإنه لا يمكن أن يكون هناك جمع عشوائي لمنتجات حضارة ما، فريدة في سياقها وشروطها، للحصول على حضارة في سياقٍ آخر وشروطٍ أخرى؛ لأن الحضارة تقوم على قانون البناء لا على التكديس[2]. وإن كنا نرتجي بناء نهضة حضارية، نحقق بها التنمية، وتوفر لنا العيش الكريم، والسيادة، ومنافسة الأمم على قيادة الإنسانيّة، فإنّ ذلك لا يكون ذلك بتكديس المنتجات المادّية للنهضات والحضارات الأخرى، وإنما بأن نحل مشكلاتنا الأساسية[3].
وقد يعتقد بعضنا أن التكديس ومراكمة المنتجات يكون للجانب المادي فقط، وللتقنيّات، أو “عالم الأشياء” فحسب، ولكن الحقيقة -كما يشير مالك بن نبي– هي أن ظاهرة التكديس تمتد بالمراكمة والتكديس إلى مختلف المكوّنات الحضارية، أي إلى الأشياء والأفكار والأشخاص[4].
تكديس الأشياء
ترى في دولنا الإسلاميّة عمومًا -والعربية خصوصًا- إنفاقًا كثيرًا على جلب مُنتَجَات الحضارة المعاصرة، والتنافس في شراء الآلات والوسائل، وبناء المباني الضخمة الكثيرة، سكنيّة وإداريّة ورياضيّة وعلميّة، ربّما لا تجدها في البلدان المتقدمة التي تملك تجربة كبيرة في التنمية والتقدّم التكنولوجيّ والعمرانيّ.
لقد زرتُ عام 2015 جامعة أكسفورد وبقيت هناك عدّة أيام بمناسبة تنظيمنا لمؤتمر مشترك، فقاموا بتعريفنا بالجامعة وهياكلها ومبانيها، فوجدت إلى جانب المباني التاريخية، مباني أخرى بسيطة ومتواضعة، وتجهيزاتها قديمة ومتواضعة، لكنّها تخرّج -في نهاية الفترات الدراسيّة- أفضل العلماء والباحثين، وتتفوّق على غيرها من الجامعات في التعليم والبحث العلمي والاختراعات وخدمة المجتمع، بينما في جامعتي التي أعمل بها توجد تجهيزات ومبانٍ ووسائل لا تتوفّر عليها جامعة أوكسفورد، غير أنّ نتائج جامعتي متواضعة تعليمًا وبحثًا وإبداعًا.
اقرأ أيضا
قس على ما قصصتُ لك بقيّة قطاعات مجتمعاتنا ودولنا، وكيف تتباهى مختلف الدوائر والإدارات باقتناء أحدث الأجهزة والوسائل والتجهيزات، ولكن دون تخطيط واضح لتفعيلها واستغلالها، ودون حاجة حقيقية تتوافق مع المرحلة الحضارية التي فيها مجتمعاتنا، إلا القليل.
تكديس الأشخاص
وكما يقول بن نبي فإن هذا التكديس للأشياء يزدوج على العموم مع تكديس للأشخاص، فالمكان الذي يجب أن يشغله خمسة موظفين أو مستخدمين، يوضع فيه أحيانًا خمسة عشر أو عشرون بطريقة تزدوج بها مشكلة البطالة العاديّة مع بطالة ناشئة عن الواقع في استجلابنا لموظّفين دون أن نستحدث لهم وظائفهم التي يجب أن يقوموا بها.
ويضاف إلى هذا أيضًا -مثلاً- عدد الإدارات، وعدد الوزارات وأعداد الإداريين، والوزراء، والمسؤولين، ومواكب التشريفات.. إلخ، حتى صرنا نخرّج أعدادًا هائلة من الخرّيجين في شتى القطاعات ونكدّسهم لنقول عندنا كذا ألف مهندس، وكذا ألف طبيب… إلخ، إلا أننا -عمليًّا- نقوم بتكديس أشخاص غير مؤهّلين حرفيًّا ولا علميًّا في الغالب الأعم، مما يؤدي بنا لتضخيم عدد الإطارات نظريًّا، وتقليلها وظيفيًّا، وهذا -بطبيعة الحال- يُربِك خطط التنمية، ويهدر الإمكانات، ويفسد استعدادات الأجيال وتوجّهاتهم، ويحرمهم من مكان وظيفي يخدمون به أمتهم.
أضف إلى ذلك تكديس الخبراء الأجانب دون التدقيق في مدى خبرتهم، ومدى قدرتهم على نقل الخبرة إلينا وفق رؤيتنا وخططنا. فيتسببون في إنجاز مشاريع مشوّهة لا تليق بمرحلتنا الحضاريّة، ولا تنسجم مع نسيجنا الاجتماعي، ولا تحقّق ما جاؤوا من أجله، والأمثلة على ذلك كثيرة في بلداننا.
تكديس الأفكار
كما تشمل ثقافة التكديس -التي صارت ظاهرة- تكديس الأفكار، -وقد أشرنا لذلك في مقال سابق عن “الحرفية” في الثقافة- حيث تُكدَّس الشهادات والكلمات والكتب دون أن يكون لها ثمرة، أو يكون للأفكار كثافة الواقع وحقيقته.
لقد استمرت ظاهرة التكديس في مجال الأفكار إلى يومنا هذا، فأغلب الكتب المعروضة في المكتبات العربيّة، تتضمن تكديسًا لنصوصٍ من إبداع الغير، سواء أكانت من التراث الإسلامي، أو كان كتّابها من الغربيّين[5]، بالرغم من أن مضمونها لا يعدو أن يكون نقلًا لأفكار ومناهج وفلسفات وقضايا في سياقات حضاريّة أخرى، أو في سياقات تاريخيّة مضت، فتفدُ إلينا أو تسترجَعُ دون تبيئتها وتوطينها معرفيًّا وفكريًّا ومنهجيًّا، ودون تحيينها زمنيًّا لتكون مواكِبة لمقتضيات المرحلة التي نحن فيها.
بسبب ما بات النموذج الحضاريّ الغربيّ يمثّله، والمكان المركزيّ الذي صار يشغله في وجدان معظَم المفكّرين والشعوب، صرنا نلاحظ كيف أنّ التعامل مع الحضارة الغربية الغالبة أخذ -منذ أخريات القرن الثامن عشر- صيغة الانبهار الذي دفع كثيرين من قيادات الأمّة الإسلاميّة ونخبها وعلمائها وأبنائها -عمومًا- إلى الأخذ غير المتبصّر عن هذه الحضارة، أو الوقوع في التكديس[6] الذي يستورد ويراكم الخبرات والأشياء، ولكنّه لا يصنع حضارة، أو يعيد نهوضها من جديد.
على سبيل الخِتام
إنّ مكمن الخطورة في الأخذ التكديسيّ عن النموذج الغربي أنّه -بهذا الفعل- يقتحم عقل الأمّة وعقيدتها وثوابتها التصوّرية، ويتغلغل في خصائصها الأساسيّة بجملة من المفردات التي تُلحِق الدمار بمقوّمات الشخصيّة الإسلاميّة، وتقودها إلى الخروج من ساحة الاحتكاك والتفاعل الحضاريّ، وقد فقَدَت ذاتها وأصبحت -في نهاية الأمر- تابعًا يدور في فلك الآخر؛ فالتكديس عائق كبير، ينبغي الحذر منه والعمل على إيقافه، سواءً أكان تكديسًا للأشياء أم الأشخاص أم الأفكار؛ إذ إنه لا يقدّم بناءً ولا يسهِم فيه بفعاليّة، بقدر ما هو مراكمة لمُنتَجات بلا رؤية ولا خِطّة ولا روح.




