ما يهم المسلم

أسبابها وكيفية بناء نفسية قوية صلبة


لم يكن الألم يومًا طارئًا على حياة الإنسان، ولم تكن الدنيا دار راحٍة خالصة حتى نستغرب ما يصيبنا فيها من فقدٍ أو ابتلاء. فالحياة – كما يقرر القرآن- خُلقت على الكبد والمشقة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]. ومع ذلك، فإن المتأمل في واقعنا المعاصر يلحظ ظاهرة لافتة: لسنا أكثر ابتلاءً من السابقين، لكننا أصبحنا أقل احتمالًا.

أمور صغيرة باتت تكسرنا بسرعة، كلمة عابرة تُحبط، نقد بسيط يهز الثقة، تأخر رغبةٍ ما يوهم بالفشل، وخسارة محدودة تتحول إلى أزمة نفسية كبيرة. وكأن النفوس صارت أرقّ من أن تتحمل صدمات الحياة.

ترى شابًا ينهار يومًا كامًلا لأن مديره لم يمدحه، وطالبة تشعر بأنها بلا قيمة لأن منشورها لم يلق تفاعلاً في وسائل التواصل، وموظفًا يترك عمله لمجرد خلاف عابر. مواقف كانت الأجيال السابقة تتجاوزها في دقائق… أصبحت اليوم تثقل الصدور أيامًا. فلماذا حدث هذا؟

جزء من الإجابة يعود إلى ثقافة العصر، نحن نعيش في زمن السرعة والنتائج الفورية، كل شيء متاح بضغطة زر: الطعام، المعلومة، الترفيه، وحتى العلاقات. فنمت داخلنا توقعات غير واقعية بأن الحياة يجب أن تسير كما نشتهي، وفي الوقت الذي نريد. فإذا تأخرت الأقدار أو خالفت رغباتنا، شعرنا بالخذلان، لا لأن المصيبة عظيمة، بل لأننا لم نتعلم الصبر. ثم هناك العامل الاجتماعي.

في الماضي كانت الأسرة الممتدة، والجار، والصديق القريب، شبكة أمان نفسية. كان الإنسان إذا ضاق صدره وجد من يسمعه ويخفف عنه. أما اليوم فكثير من علاقاتنا افتراضية، آلاف المتابعين… وقلب وحيد. نتواصل كثيرًا، لكننا لا نتساند بما يكفي. غير أن السبب الأعمق- في ظني- روحي قبل أن يكون اجتماعيًا. حين تضعف صلة القلب بالله، يفقد الألم معناه، ويبدو البلاء عبثاً لا حكمة فيه. أما المؤمن فينظر إلى الأحداث بعين أخرى، يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن وراء كل قدر تدبيرًا ورحمة.

قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: 11]، فالهداية هنا ليست زوال المصيبة، بل ثبات القلب أمامها. والمؤمن لا يتألم أقل من غيره، لكنه ينكسر أقل. يبكي… لكنه لا ينهار، يحزن… لكنه لا يفقد المعنى.

ولهذا، فإن علاج الهشاشة النفسية لا يكون بمحاولة إزالة المصاعب من الطريق- فذلك مستحيل- بل ببناء نفسٍ أقوى من المصاعب نفسها. نفسٍ تتربى على الرضا، وتتدرب على الصبر، وتأنس بالذكر والصلاة، وتحتمي بعلاقات صادقة، وتخفف تعلقها بالمظاهر والمقارنات. ولسنا مطالبين بأن نخلو من الحزن، فالحزن فطرة إنسانية، لكننا مطالبون بألا نهزم عند كل عثرة.

فالقلوب إذا امتلأت يقينًا… أصبحت أصلب من الظروف، وأهدأ من العواصف، وأقوى من أن تكسرها كلمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى