ما يهم المسلم

رمضان: مدرسة الصوم التربوية – إسلام أون لاين


رمضان مدرسة تربوية، ما أن ينتظم فيها العبد لمدة ثلاثين يومًا وليلة إلا وتنقى نفسه من الفساد والذنوب، ويطهر قلبه ويشفى من أمراض كثيرة؛ كالحسد والغل والحقد والسخط والطمع وغير ذلك. فتلك رؤية مدرسة الصوم التربوية، ولتلك رسالة، وهى عبارة عن الآليات الساعية لتنفيذ تلك الرؤية حتى يحظى المنتظم في تلك المدرسة بالتفوق وإحراز الكثير من الحسنات، ويفرح بذلك التفوق في يوم فطره، وبلقاء الله -عز وجل-، ويدخل الجنان من باب الريان.

وتتلخص تلك الآليات في ضوء النقاط الآتية:

1ـ التقوى:

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183). فالتقوى كلمة جامعة لفعل الطاعات وترك المعاصي؛ الكبير منها والصغير، والجليل والحقير. فالصائم يجعل بينه وبين الذنوب والمعاصي وقاية فلا يقترب منها؛ حتى ينال رحمة الله وفضله ومغفرته في هذا الشهر الفضيل.

2ـ التقرب إلى الله تعالى:

فالصائم متقرب لله -عز وجل- بترك المبيحات من أكل وشرب وجماع؛ حسبة لله -سبحانه وتعالى- وابتغاء ما عنده من الفضل الجزيل للصائمين. وعلى الصائم أن يكثر من النوافل بكافة أنواعها في هذا الشهر؛ حتى يحظى بالقرب من الخالق -جل وعلا-. فعَن أبي هُرَيرة -رضي الله عنه- قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ : «إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِى وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِى بِشَىْءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِى يَتَقَرَّبُ إِلَىَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِى يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِى يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِى يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِى يَمْشِى بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِى لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِى لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَىْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِى عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» ([1]).

3ـ التخلي للفكر والذكر:

على الصائم أن يخفف من الأكل والشرب؛ ليساعد قلبه في التخلي للذكر والفكر؛ لأن كثرة الطعام والشراب مدعاة للغفلة، وربما قست القلوب وعميت عن رؤية الحق. وكثرة الطعام من اتباع الشهوات، وذم الله تبارك وتعالى من اتَّبع الشهواتِ فقال: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً إِلاَّ مَنْ تَابَ} (مريم: 59).

لذا وجهنا النبي إلى الاقتصاد في الطعام والشراب بالتخفيف منهما؛ فعن مقدام بن معدي كرب -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله يقول: “مَا مَلأَ آدمِيٌ وِعَاءً شَرّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابنِ آدَمَ أُكُلاَتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فإِنْ كَانَ لاَ مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ” ([2]). وهذا الحديثُ أصلٌ جامعٌ لأصول الطب كُلِّها.

وقد رُوي أنَّ ابنَ أبي ماسويه الطبيبَ لمَّا قرأ هذا الحديث في كتاب أبي خَيْثمة، قال: “لو استعملَ الناسُ هذه الكلمات، سَلِموا مِنَ الأمراض والأسقام، ولتعطَّلت المارستانات ودكاكين الصيادلة”. وإنَّما قال هذا؛ لأنَّ أصل كلِّ داء التُّخَم، كما قال بعضهم: أصلُ كُلِّ داء البردةُ. وقال الحارث بن كَلَدَة طبيبُ العرب: “الحِمية رأسُ الدواء، والبِطنةُ رأسُ الداء”، ورفعه بعضهم ولا يصحُّ أيضًا. وقال الحارث أيضًا: “الذي قتل البرية، وأهلك السباعَ في البرية، إدخالُ الطعام على الطعام قبل الانهضام”. وقال غيره: “لو قيل لأهل القبور: ما كان سببُ آجالكم؟ قالوا: التُّخَمُ” ([3]).

فهذا بعض منافع تقليلِ الغذاء، وتركِ التَّمَلِّي من الطَّعام بالنسبة إلى صلاح البدن وصحته. وأما منافِعُه بالنسبة إلى القلب وصلاحه؛ فإنَّ قلةَ الغذاء توجب رِقَّة القلب، وقوَّة الفهم، وانكسارَ النفس، وضعفَ الهوى والغضب، وكثرةُ الغذاء توجب ضدَّ ذلك ([4]).

وعَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- لاَ يَأْكُلُ حَتَّى يُؤْتَى بِمِسْكِينٍ يَأْكُلُ مَعَهُ، فَأَدْخَلْتُ رَجُلاً يَأْكُلُ مَعَهُ فَأَكَلَ كَثِيرًا فَقَالَ: “يَا نَافِعُ لاَ تُدْخِلْ هَذَا عَلَىَّ، سَمِعْتُ النَّبِىَّ يَقُولُ: «الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِى مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِى سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ»” ([5]).

وأرشدنا الرسول الكريم إلى التقليل من الطعام وإيثار الآخرين ببقية الطعام؛ فعن جابر بن عبدالله -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قال: سمعت رسول الله يقول: “طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية” ([6]). وقال بعض السَّلف: “كان شبابٌ يتعبَّدون في بني إسرائيل، فإذا كان عند فطرهم، قام عليهم قائم فقال: لا تأكلوا كثيراً، فتشربوا كثيراً، فتناموا كثيرًا” ([7]).

وأرشدنا إلى التقليل من الشهوات المباحة والاقتصاد فيها؛ فعَنْ حَنْظَلَةَ الأُسَيِّدِىِّ -رضي الله عنه- قَالَ -وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ – قَالَ: لَقِيَنِى أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: “كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟” قَالَ: قُلْتُ: “نَافَقَ حَنْظَلَةُ”، قَالَ: “سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا تَقُولُ؟” قَالَ: قُلْتُ: “نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْىَ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ عافَسْنَا الأَزْواجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ، فَنَسِينَا كَثِيرًا”، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: “فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا”.

فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ، قُلْتُ: “نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ”. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «وَمَا ذَاكَ؟». قُلْتُ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْىَ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عافَسْنَا الأَزْواجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا”. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِى وَفِى الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِى طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً»، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ([10]).

قوله (نافق حنظلة) معناه: أنه خاف أنه منافق حيث كان يحصل له الخوف فى مجلس النبي ويظهر عليه ذلك مع المراقبة والفكر والإقبال على الآخرة، فإذا خرج اشتغل بالزوجة والأولاد ومعاش الدنيا. وأصل النفاق إظهار ما يكتم خلافه من الشر، فخاف أن يكون ذلك نفاقا، فأعلمهم النبي أنه ليس بنفاق، وأنهم لا يكلفون الدوام على ذلك، ساعة وساعة؛ أى ساعة كذا وساعة كذا ([11]).

4ـ معرفة الغني لنعمة الله تعالى عليه:

الصيام يُعَرِّف الغني نعم الله -عز وجل- عليه؛ فقد أنعم الله -عز وجل- عليه بالطعام والشراب والنكاح، وحرم غيره من تلك النعم؛ فعليهم إدراك قيمتها وأهميتها، وإلى أي مدى يؤثر فقدها. وعليه أن يشعر أن هناك من حُرِم تلك المتع، ويحتاج أن يُسأل عنه، وهو الفقير الذي لا يجد ما يسد رمقه، والمسكين الذى لا يكفيه ما عنده. فعلى الغني أن يسأل عن مثل هؤلاء ويحاول أن يخفف عنهم قسوة الفقر وضيق العيش، ويدخل السرور عليهم.

5ـ التمرن على ضبط النفس:

الصيام يُحْكِم السيطرة على النفس البشرية، ويضبطها هي وسائر الجوارح على طاعة الرحمن الرحيم -سبحانه وتعالى-؛ لأن النفس إذا جاعت شبعت جميع الجوارح، وإذا شبعت جاعت جميع الجوارح. فالنفس بيدها التحكم وزمام الأمور، وهى أمارة بالسوء، وأعدى أعداء الإنسان. فبالصيام يكسر المسلم نفسه، ويحكم السيطرة عليها حتى يتمكن من خضوعها للحق، وميلها للخلق بنزع كبريائها؛ كي يصل بها إلى أعلى المراتب وأسمى الغايات.

6ـ تضييق مسالك الشيطان:

الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق؛ فعَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بِمِنًى فَلَقِيَهُ عُثْمَانُ فَقَامَ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: “يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَلَا نُزَوِّجُكَ جَارِيَةً شَابَّةً لَعَلَّهَا تُذَكِّرُكَ بَعْضَ مَا مَضَى مِنْ زَمَانِكَ؟” قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ لَقَدْ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ : “يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ” ([14]).

عدل عن قوله: “فعليه بالجوع” وقلة ما يثير الشهوة ويستدعي طغيان الماء من الطعام والشراب، إلى ذكر الصوم؛ إذ ما جاء لتحصيل عبادة هي برأسها مطلوبة. وفيه إشارة إلى أن المطلوب من الصوم في الأصل كسر الشهوة ([15]). فالصوم كالوجاء للراغب في الزواج يصونه ويحفظه عن المفاسد بما يضفي عليه من العبادة الروحية الصافية ([16]).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى