ما يهم المسلم

النقد التاريخي في الدراسات الاستشراقية والغربية .. ندوة تفكك أساطير التشكيك وعقدة الخوف من التاريخ


نظمت كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر وبالتعاون مع مركز نهوض للدراسات والبحوث بدولة الكويت، ندوة علمية بعنوان “النقد التاريخي في الدراسات الاستشراقية والغربية: مراجعات نقدية في أعمال فرانز روزنتال وهرلد موتسكي وجوناثان براون”.

وعقدت الندوة مساء الثلاثاء 3 فبراير 2026،  التي هدفت إلى تعزيز الاشتباك المعرفي الواعي مع المناهج الغربية وتفكيك السرديات الاستشراقية الكبرى حول التراث الإسلامي حيث أكد المتحدثون في مداخلاتهم أن التراث الإسلامي يمتلك أدوات نقدية ذاتية قادرة على الصمود أمام أحدث المناهج الغربية وتتفوق عليها في معايير التوثيق والتحري، نافين بذلك تهمة الخوف من التاريخ التي يلصقها بعض المستشرقين بالعقل المسلم.

أدار الندوة الأستاذ الدكتور محمد بيشي، أستاذ العقيدة والأديان في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، الذي رحب بالحضور وأكد على عمق الشراكة مع مركز نهوض، ورحب بالمشاركين في الندوة وهم نخبة من المتخصصين في علوم الحديث والدراسات الإسلامية والمهتمين بالبحث الاستشراقي وهم:

 الدكتور عبد الرحمن حللي منسق الدراسات العليا في قسم القرآن والسنة في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر،

والدكتور أحمد صنوبر أستاذ مشارك في قسم القرآن والسنة في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر،

والدكتور عبد الكريم الوريكات أستاذ مشارك في قسم القرآن والسنة في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر.

وعقب في نهاية الندوة على المتحدثين الأستاذ الدكتور عمرو عثمان الأستاذ في كلية الآداب والعلوم بجامعة قطر.

الدكتور عبدالرحمن حللي يفكك منهجية روزنتال في ترجمة تاريخ الطبري

في الورقة الأولى، قدم الدكتور عبد الرحمن حللي منسق الدراسات العليا في قسم القرآن والسنة في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، قراءة استقصائية معمقة لمنهجية المستشرق الألماني-الأمريكي فرانز روزنتال الذي يعتبر أحد أعمدة الاستشراق في القرن العشرين ، متخذاً من عمله الموسوعي في ترجمة مقدمة “تاريخ الطبري” أنموذجا للدراسة.  واستهل الدكتور حللي مداخلته بالندوة في سياقها الاستراتيجي، موضحا أنها تأتي “تخصيصاً بعد تعميم”؛ حيث سبقتها ندوة عامة حول المقاربات الغربية للعلوم الإسلامية، واعداً بأن يتبعها ندوات متخصصة تغطي الدراسات القرآنية والحضارية. وفي لفتة منهجية مهمة، ميز  بين نوعين من الباحثين الغربيين: المستشرق الذي يدرس الإسلام على أساس أنه دين ونصوص مقدسة، والمؤرخ الذي يتناول الحضارة الإسلامية باعتبارها حركة تاريخية، لافتاً إلى أن النتائج تختلف باختلاف المنطلق، وأن “النقد التاريخي” و”علم الحديث” يمثلان اليوم ساحة السجال الأبرز والأكثر سخونة بين الشرق والغرب.

وأشار الدكتور حللي إلى مدخل ذاتي لطيف بأن اهتمامه بالطبري “المفسر” هو الذي قاده للاطلاع على مقدمة روزنتال لترجمة التاريخ، والتي تحولت لقيمتها العلمية إلى كتاب مستقل. ورسم صورة لروزنتال تظهره بمظهر يقترب من صرامة المحدثين المسلمين، مستعرضا القواعد النقدية التي وظفها المستشرق روزنتال في توثيق سيرة الطبري، والتي فصلها في النقاط التالية:

1. دلالة التحديث

 أشار المحاضر إلى أن روزنتال تعامل مع مصطلحات الأداء مثل “حدثني” و”حدثنا” عند الطبري بجدية مطلقة، معتبراً إياها “قضية لم يتطرق إليها الشك” ووثائق قطعية تثبت “اللقاء الشخصي” المباشر بين الطبري وشيوخه. ورغم هذا التمسك بظاهر اللفظ، أظهر روزنتال وعياً دقيقاً بمفهوم “الوجادة” عند المحدثين؛ حيث أقر بأن قول الطبري “حدثني” لا يعني بالضرورة السماع اللفظي لكل كلمة، بل قد يشمل النقل من كتاب الشيخ الذي لقيه وأخذ عنه الإجازة، فأعطى للنقل الكتابي حكم الاتصال المباشر، وهو فهم يتطابق مع قواعد المصطلح الإسلامي.

2. تفكيك بؤرة الخبر ومدار السند

أوضح الدكتور حللي أن روزنتال لفت الانتباه بملاحظته لطبيعة شخصية الإمام الطبري في بحثه عن مصادر سيرته ؛ نظراً لأن الإمام كان منهمكا في العلم ولم يعنَ بتدوين سيرته الذاتية.

وتساءل الدكتور حللي ما هو أهم مصدر يمكن أن يحصل روزنتال المعلومات عن الطبري ؟ وأجاب قائلا : “تحري المصادر الأقرب إلى الإمام الطبري وإلى عصره لأنه يعتبر التواصل والقرب هو “علو” كما نسميه، علوا في الإسناد، علوا في الثقة في الخبر عندما يكون هذا الخبر منقولا عمن شاهده وعمن عاصر الشيخ وعاش معه، وبالتالي المصادر التي ينبغي أن نأخذ بها أولا في أي ترجمة لأي شخصية ما ينبغي أن تكون ممن عاصر هذا الشخص أو التقى به أو أخذ عنه قدر الإمكان.”

وأضاف الدكتور حللي لذا قام روزنتال بمسح شامل للمصادر القريبة زمنيا ليخلص عبر تتبع الأسانيد إلى نتيجة مذهلة بأن كل ما روي عن تفاصيل حياة الإمام الطبري يعود في جذوره إلى بؤرة خبر واحدة، ومصدر أساسي وحيد هو تلميذه النجيب أبوبكر أحمد بن كامل وأكد روزنتال أن ابن كامل هو المصدر الوحيد الذي عاصر وفاة الإمام وحضر جنازته، مما يجعل روايته بمثابة شهادة عيان لا ترقى إليها الروايات الأخرى، وهو ما يسمى عند المحدثين بـ”مدار السند”.

3.صحة رواية الآحاد وقرائن الأحوال

 لفت الدكتور حللي  إلى قاعدة ذهبية اعتمدها روزنتال، وهي “نسبة القبول إلى رواية الآحاد ما لم ينهض دليل دامغ على خلافها”. فبدلا من التشكيك المسبق، كان الأصل عند روزنتال هو قبول الخبر التاريخي والتعامل معه بجدية، معتمدا على مبدأ تعاضد الأخبار؛ فبرغم أن بعض التفاصيل الفردية قد يعتريها الشك، إلا أن تضافر الروايات يرسم نواة صحيحة للقصة، والأصل أن نقبل هذه الرواية وأن نعتمدها إلا إذا جاء دليل دامغ يحول أو يجعل الشك يمنع الأخذ بهذه الرواية. وبناء على ذلك يجمع بين الآراء المختلفة التي تدور حول شخصيته ويحلل أن هذه الروايات ما الداعي لأن نرفضها؟

وفي زاوية طريفة توقف الدكتور حللي عندها حول استنطاق روزنتال للتفاصيل الحياتية الدقيقة جدا للإمام الطبري فقد حلل المستشرق روزنتال النظام الغذائي للطبري وحميته القاسية التي وصفها الدكتور حللي بأنها “تصلح كنموذج عصري لمن يبحث عن النحافة والريجيم” ، كما توقف روزنتال طويلا حول “ اتيكيت” أو أناقة التفاصيل طعام الطبري وتأنقه المفرط في الملبس ونظافة اليدين. واعتبر روزنتال أن هذه التفاصيل الشخصية الدقيقة هي “قرائن أحوال” يستحيل على الرواة اختلاقها ، وبالتالي فهي تعزز مصداقية الرواية التاريخية.

وأضاف الدكتور حللي أن الأخبار يعاضد بعضها البعض في القضية الواحدة، وإن كان أفراد الأخبار محل شك، وهذا المنهج موجود عند المحدثين فهناك الحديث الحسن لغيره والصحيح لغيره، حيث تتقوى الأخبار ببعضها البعض، ونجد روزنتال طبق هذه القاعدة في تأريخه لسيرة أو الأخبار التي وردت في ترجمة الإمام الطبري، لكن ذلك لا يعني أنه لم يكن نقديا في بعض الروايات وإنما كان موضوعيا في نسبية حكمه عليها.

تفنيد روزنتال بعض الادعاءات عن الطبري

وبين الدكتور حللي كيف نجح روزنتال بموضوعية إثبات عدم صحة ميل الإمام الطبري العقائدي للتشيع بعد أن أثبت أنها ناتجة عن ترجيح فقهي لغوي للطبري في قراءة آية الوضوء (بكسر اللام في (أرجلِكم)، مما يوحي بالمسح، لكنه بين أن نصوص الطبري الأخرى تؤكد قوله بوجوب الغسل والمسح على الخفين وكذلك  فند قصة العداء مع الحنابلة والتي فهمها روزنتال أنها من باب خصومة الأقران والتي نتجت عن عدم إدراج الطبري للإمام أحمد بن حنبل في كتابه “اختلاف الفقهاء” (صنفه كمحدث لا كفقيه).

وفند روزنتال الروايات التي تحدثت عن حصار منزل الطبري و”منع دفنه نهاراً، معتبراً أنها مبالغات تتعارض مع مكانة الطبري الاجتماعية والعلمية، ومرجحا أن دفنه في منزله كان وصية شخصية منه، وهي عادة كانت شائعة في بغداد ذلك العصر .

ولفت نظر الدكتور حللي قراءة روزنتال للإمام الطبري ومدى إجلاله له، وذلك عبر تتبع ما كتبه عنه حتى في ما ختم به سيرة الإمام الطبري مقتبسا من كلام روزنتال:  كرس أكثر من 70 عاما من عمره لخدمة الدين من خلال أعماله الخالدة بوصفه فقيها ومحدثا ومفسرا ومؤرخا.

وختم الدكتور حللي حديثه بهذا التساؤل: “إذا كانت هذه المنهجية مقبولة عند المستشرقين وهي مقبولة أيضا عندنا عند المسلمين، لماذا لا تكون ترجمة وسيرة النبي بنفس الطريقة؟ لماذا يختلف كلام المؤرخ المستشرق عندما يتحدث عن السيرة النبوية أو عن الإسلام أو عن السنة النبوية عن كلامه عن التاريخ الإسلامي؟ نحن نرضى بهذه المنهجية أن تُقرأ السيرة النبوية، وأن تُقرأ السنة النبوية، بل أقول إن من يعرف مناهج المحدثين سيلحظ أنهم أشد صرامة وأشد توثيقا ونقدا للأخبار من منهجية روزنتال في تعامله في سيرة الإمام الطبري”.

الدكتور  صنوبر: موتسكي صاحب الانعطافة الكبرى في مسار الدراسات الاستشراقية الحديثة

وفي الورقة الثانية، قدم الدكتور أحمد صنوبر أستاذ مشارك في قسم القرآن والسنة في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، ورقة بحثية تناولت مشروع المستشرق الألماني الراحل “هارالد موتسكي” واصفًا إياه بـ”الانعطافة الكبرى” في مسار الدراسات الاستشراقية الحديثة.

واستهل الدكتور صنوبر ورقته موضحا أن بحثه ينقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية: عرض للتساؤل المثير للجدل: لماذا يخشى المسلمون النقد التاريخي؟، ثم بيان لمنهج موتسكي في قراءته لتاريخ الرواية الحديثية، وأخير ا مناقشة لسؤال: هل النقد التاريخي منهج واحد أم أنماط متعددة يمكن للباحث المسلم التفاعل معها؟

وأشار الباحث إلى أن المقولة المذكورة تبناها عدد من المفكرين المعاصرين مثل محمد أركون، وحسن حنفي، وفوزي البدوي، إلى جانب بعض الباحثين في جامعة هارفارد.

وركز الدكتور صنوبر في مناقشته على طرح الأستاذ فوزي البدوي من الجامعة التونسية، الذي أعاد في محاضرة سابقة له دعوته لاعتماد منهج النقد التاريخي الغربي، معتبرًا أن لدى المسلمين “خوفًا مرضيًا” من هذا النقد لما قد يوقعه من زعزعة للثقة بتاريخ النبي والصحابة.

 ولفت صنوبر إلى أن البدوي يمتدح مدرسة “الهاجرية” التي يمثلها “باتريشيا كرون” و”مايكل كوك”، وهما من أبرز من شككوا جذريا في السردية الإسلامية المبكرة، الأمر الذي يفسر بأنه حصر كثير من المثقفين العرب النقد التاريخي في هذا الاتجاه التشكيكي وحده.

موتسكي في سياق مدارس الاستشراق في دراسة الحديث

 ولكي يضع الدكتور صنوبر مشروع موتسكي في سياقه، استعرض تسلسل الاتجاهات الاستشراقية في دراسة الحديث النبوي:

1- اتجاه جولدزيهر: النقد المبني على المتن الذي ربط نشأة الحديث بالتطورات السياسية والاجتماعية، نافياً القيمة المعرفية للأسانيد.

2- اتجاه شاخت: التركيز على الإسناد وإعمال مفاهيم “الحجة الصامتة” ونظرية “النمو العكسي” و”الراوي المشترك”، معتبرًا الأسانيد بنية مصطنعة.

3- اتجاه النقديين الجذريين : إنكار السردية الإسلامية من أساسها بما في ذلك وجود مكة والمدينة واعتماد مقاربات “أركيولوجية” صارمة.

4- اتجاه موتسكي : الجمع بين الإسناد والمتن، وهو الاتجاه الذي يعد اليوم الأكثر حضورًا في الدراسات الغربية، وتابعه فيه باحثون مثل “غريغور شولر”، “هارالد غوركه”، و”بافل فيتش” وأضاف الدكتور صنوبر بأن موتسكي في كتابه «بدايات الفقه الإسلامي في مكة» استخدم منهجية “ولهاوزن” في تحليل الأسانيد، وطبقها على كتاب “المصنف” لعبد الرزاق الصنعاني، مركزًا على روايات ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في أبواب النكاح والطلاق. وأوضح أن موتسكي استفاد من أن المستشرق جوزيف شاخت لم يطّلع على هذا الكتاب، فاختار عينة بحثية جديدة مكّنته من مراجعة فرضياته. ومن خلال هذا التحليل، خلص إلى أن روايات عبد الرزاق عن ابن جريج، ثم عن عطاء وعمرو بن دينار، لا يمكن أن تكون مزورة، مؤكدا أن الإسناد بدأ في النصف الثاني من القرن الأول الهجري خلافا لافتراض شاخت.

بين منهجية موتسكي وشاخت

 خصص الدكتور صنوبر مساحة واسعة للمقارنة بين موتسكي وبين سلفه جوزيف شاخت، موضحاًالفروق الجوهرية التي جعلت من موتسكي ناقضا لمسلمات شاخت:

1- النتائج والتاريخ: بينما رأى شاخت عشوائية الأسانيد واعتبر الأحاديث الفقهية مختلقة، أثبت موتسكي عكس ذلك، حيث مدّ عمر الإسناد الموثوق لأكثر من خمسين عاماً إضافية عما قرره شاخت، مؤكداً أن الإسناد بدأ بوضوح في النصف الثاني من القرن الأول، بل وأتاح لبعض الأحاديث – مثل حديث «الولد للفراش وللعاهر الحجر» – إمكانية الارتفاع إلى زمن النبي .

2- الراوي المشترك : خالف موتسكي نظرية شاخت حول الراوي المشترك فبينما اعتبره شاخت مختلق الرواية، أثبت موتسكي عبر جمع الطرق وتعاضد السلاسل أنه ناقل أمين للرواية عن شيوخه.

3- سوء الظـن : انتقد موتسكي بشدة ما سماه “سوء الظن العام” لدى شاخت، معتبرا أن أحكامه قامت على “أحكام مسبقة غير مبررة”، والتعميم، والحدس، والاعتماد على نوادر الأدب بدلا من التحليل الدقيق. وهذا – وفق صنوبر – يمثل انقلابا جذريا على منهجية “الشك لأجل الشك” التي طبعت الاستشراق القديم.

أما على مستوى التطبيق المقارن، فقد أشار صنوبر إلى أن موتسكي ناقش المستشرق “ميكلوس موراني” في بعض الروايات التي طعن فيها الأخير، مؤكدًا أن دراسة مصداقية الرواة لا تكون عبر رواية واحدة بل في ضوء الصورة الكلية لمروياتهم.

أدوات موتسكي بين القرائن والتعاضد

 شرح صنوبر اعتماد موتسكي على معيارين أساسيين: القرائن الداخلية والخارجية، وتعاضد الروايات عن المدار، معدداً أبرز هذه القرائن وموازيا بينها وبين نظائرها في علم العلل عند المحدثين:

1- ذكر الراوي لرأيه الشخصي مع قدرته على الرفع: اعتبر موتسكي هذه الظاهرة دليلاً على الصدق، وقابلها صنوبر بتطبيق عند أبي حاتم الرازي في تبرئته لعمر بن الوليد.

2- تعبير الراوي عن الشك: مثل قول عطاء “لا أدري” أو “حسبت أنني سمعت عبيداً”، وهو ما يوافق مبدأ المحدثين في اعتبار الشك دليلاً على الصدق والأمانة.

3- الملامح الخاصة: لاحظ موتسكي أن لكل راوٍ نمطًا مميزًا، وضرب صنوبر مثالاً بنقد ابن المديني لحديث القاسم بن يزيد حين قال: “يشبه أحاديث القصاص، وليس يشبه أحاديث عطاء بن أبي رباح”.

4- تعاضد الروايات عن المدار: إذ يرى موتسكي أن ورود الرواية من مخرجين مستقلين مثل الزهري في المدينة وعطاء في مكة – يزيد موثوقيتها، وهو ما يشبه منهج “الاعتبار والمتابعات” عند المحدثين.

5- الإسناد النازل: اعتبر موتسكي رواية التلميذ لإسناد “نازل” (طويل) رغم قدرته على رواية “عالٍ” دليلاً على النزاهة. واستحضر صنوبر هنا توثيق يحيى بن معين للراوي “روح بن عبادة”، حيث وثّقه لأنه كان يروي عن (ابن عون) مباشرة تارةً، وتارةً يروي عنه بواسطة (حماد بن زيد)، مما ينفي نية الاختلاق.

النقد التاريخي بين المنهجين الإسلامي والغربي

 رأى الدكتور أحمد صنوبر أن جوهر الفرق بين المنهجين يكمن في النموذج المعرفي (Paradigm)؛. فالمستشرقون، ينطلقون من شك سلبي قائم على سوء الظن ونفي تدخل الإله في مجريات التاريخ،  بينما ينطلق النقد الإسلامي من شك منهجي يهدف للوصول إلى اليقين، مستشهدا بمقولة عبد الرحمن بن مهدي: “خصلتان لا يستقيم فيهما حسن الظن: الحديث والحكم”، ليدلل على أن منهج النقد الإسلامي أساسه الشك المنهجي لا الإيمان المسبق.

وأوضح أن جذور النقد التاريخي الغربي متصلة بعقلانية تنفي المعجزات وتفترض انفصال الإله عن الواقع، وهو ما اعتبره “إشكالًا كلاميًا” أكثر منه تاريخيًا. واستشهد بانتقادات شيخ الإسلام مصطفى صبري أفندي في كتابه «موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين» مستحضرا قوله بأن الفكر الأوروبي يختار فقط الأدلة التي يوافق عليها، فيتجاهل كل ما يخالف نموذجه التجريبي .

نحو حوار علمي مشترك

 وفي ختام مداخلته، انتقد الدكتور صنوبر الاكتفاء العربي بتبني المدرسة الأكثر تشككًا من مدارس الاستشراق، متسائلًا: لماذا لا يتم تبني منهج موتسكي الأكثر انضباطًا وإنصافًا؟ ودعا إلى عقد ندوة علمية مشتركة تجمع بين باحثين غربيين من مدرسة موتسكي وأساتذة علم العلل في العالم الإسلامي، وخص بالذكر العلامة الدكتور حمزة مليباري من كلية الشريعة بجامعة قطر.

وختم الدكتور أحمد صنوبر بالتأكيد على أن علم العلل عند المحدثين هو في جوهره علم نقدي تاريخي صرف، يهدف إلى كشف الحقيقة كما هي، خالٍ من الأيديولوجيا أو الانحياز، داعيا إلى تجاوز التصورات السطحية نحو فهم أعمق للأسس المعرفية التي تحكم تلاقي النقدين الغربي والإسلامي.

ودعا في الختام إلى عقد ندوات مشتركة تجمع ورثة مدرسة موتسكي الحاليين (جريجور شولر، أندرياس جوركا، بافليفيتش) مع علماء العلل المسلمين في الكلية (مثل د. حمزة مليباري بجامعة قطر) لردم الفجوة وترجمة المفاهيم.

بين “نفي القواعد” و”سلطة القرائن”: الدكتور الوريكات يفكك أطروحة جوناثان براون في نقد المتن

أما الورقة الثالثة فقدمها الأستاذ الدكتور عبد الكريم الوريكات، أستاذ الحديث الشريف في قسم القرآن والسنة، ورقة علمية بعنوان: “بين نفي القواعد وإثبات القرائن: قراءة نقدية في أطروحة جوناثان براون في نقد المتن”. جاءت هذه المداخلة لتسلط الضوء على الإشكالات المنهجية التي يقع فيها حتى أعدل المستشرقين المعاصرين عند محاولتهم فهم الآليات الدقيقة التي أدار بها المحدثون عملية نقد الرواية، مشيرا إلى أن مركز نهوض للدراسات – الشريك في إقامة الندوة – هو من نشر كتاب براون “مدخل إلى علم الحديث”.

لماذا جوناثان براون؟

استهل الدكتور الوريكات حديثه بتبرير اختياره للمستشرق الأمريكي المسلم “جوناثان براون” نموذجا للدراسة، داعيا طلاب الدراسات العليا لتجاوز الأسماء التقليدية المستهلكة مثل “جولدزيهر” و”شاخت”، والاشتباك مع الطروحات المعاصرة. ووصف الوريكات “براون” – الذي يشغل كرسي الوليد بن طلال بجامعة جورجتاون – بأنه من أبرز الأصوات الغربية التي تقدم دفاعا نسبيا عن المنهج الحديثي، ويمتاز باطلاعه الواسع على المصادر الأصلية خلافا لمن يجترون مقولات سابقيهم.

وأكد الدكتور الوريكات أن “براون”، رغم إنصافه وتخليه عن الصور النمطية المتطرفة، لا يزال مكبلا بـ”النموذج المعرفي الغربي” (Paradigm)، ويحاول إسقاط معايير النقد التاريخي الغربي على الممارسة التراثية الإسلامية، وهو ما أوقعه في فخ “التحليل المفاهيمي” على حساب “الاستقراء التطبيقي”، مشدداً أن “غياب الاستيعاب العميق لعلم العلل” هو ثغرة كبرى لدى المستشرقين، “لو عرفوه لطعنوا في السنة أضعاف ما طعنوا”.

الخلط بين القانون والقرينة

ناقش الدكتور الوريكات الفكرة المركزية في كتابات براون (مثل مقاله: “ليس ثمة قاعدة” وكتابه “مدخل إلى علم الحديث”)، حيث يزعم براون أنه “لا توجد قواعد معيارية مكتوبة لنقد المتن عند المحدثين الأوائل”، وأن الخطيب البغدادي (ت463هـ) هو أول من قَعد هذه القواعد متأثرا بالمعتزلة وعلم الكلام. وفي تفكيكه لهذه الدعوى، أوضح الدكتور الوريكات أن الإشكال يكمن في تعريف “القاعدة”؛ فبينما يبحث براون عن “قانون إجرائي مقنَّن” (على الطريقة الغربية)، يعتمد المحدثون على نظام “القرائن” و”الملكة النقدية”. وأشار الوريكات إلى أن الناقد الحديثي يبني أحكامه (مثل: منكر، شاذ، خطأ) لا على قاعدة جامدة، بل على “ذوق نقدي” تشكَّل عبر ممارسة طويلة واستقراء تام لآلاف المرويات، حتى “اختلط الحديث بدمه ولحمه” —كما وصف ابن القيم— وأن هذه القواعد “بدهية تجاوزها المحدثون إلى أدق وأعمق”.

علم العلل ونقد المتن الخفي

أكد الوريكات أن حتى الجرح والتعديل الظاهر هو في جوهره “نقد متن” ناتج عن استقراء المرويات، وضرب لذلك أمثلة: “فلان منكر الحديث” حكم جرح مبني على متون تخالف القواعد أو العقل، “يروي الغرائب” أو “لا يشبه حديث الثقات” مقارنة متنية، “تعرف منه وتنكر” تمييز بين مروياته. وعلوم الحديث أدوات نقد المتن: “الإدراج”، “القلب” (مثل قلب حديث السبعة: “تصدق بشماله حتى لا تعلم يمينه”)، “الاضطراب” (مثل اضطراب ألوان حديث القلتين بين قلة وخمس قلال)، “الموضوع”.

تفنيد أسبقية الخطيب البغدادي

رفض الدكتور الوريكات بشدة زعم براون بأن الخطيب هو مؤسس قواعد نقد المتن بتأثير اعتزالي، معتبراً هذا القول “بلا قيمة علمية وتاريخية”. وأوضح أن النقد مورس فعلياً قبل الخطيب بقرون على يد أئمة كبار مثل مالك، وسفيان بن عيينة، وابن مهدي، وابن المديني، وأن الخطيب لم يكن سوى “جامع للشتات” لقواعد مستقرة ومعمولاً بها قبل ظهور الجدل الكلامي بأميال، وقواعده بدهية (“يخالف القرآن/يستحيل عقلاً/يخالف المشهور”) تجاوزها المحدثون إلى أدق.

المحدثون بين الشك واليقين

وفي ختام ورقته، تصدى الوريكات لمقولة براون بأن المنهج الغربي يقوم على “الشك” بينما ينطلق المحدثون من “حسن الظن” بالراوي. وأكد المحاضر أن الأصل عند المحدثين هو “الشك والتحري” لا التسليم الساذج، وأن “الثقة” لا تمنح حصانة من النقد، وساق الأدلة التاريخية القاطعة على صرامتهم وتتبعهم للأخطاء مهما علا كعب صاحبها: ابن أبي حاتم ألّف “بيان خطأ محمد بن إسماعيل البخاري في التاريخ الكبير”، الدارقطني تعقبه في “التتبع”، الذهبي أشار إلى أوهامه في أسماء الشاميين لقلة مكوثه بالشام مقارنة بالبصرة، عائشة قالت “كذب ابن عمر” (وهنا كذب تأتي بمعنى أخطأ بلغة أهل الحجاز)، ابن المديني جمع 13 جزءاً في أخطاء شيخه سفيان بن عيينة. وأكد الدكتور الوريكات على مبدأ الشك عند المحدثين مستشهدا بكتاب للدارقطني عنوانه “التتبع” الذي تتبع فيه أخطاء الإمام البخاري من وجهة نظره .

 وخلص الدكتور الوريكات إلى أن المحدثين لم يكونوا يمررون الروايات بحجة حسن الظن، بل كانوا يمتلكون منهجية صارمة تخضع الجميع للمساءلة العلمية الدقيقة، وهو ما غاب عن جوناثان براون نتيجة قصور أدواته عن إدراك طبيعة “القرائن” في التراث الإسلامي.

الدكتور عمرو عثمان يستعرض خارطة الاستشراق الحديث

عقب الأستاذ الدكتور عمرو عثمان، الأستاذ المشارك بكلية الآداب والعلوم بجامعة قطر ، مداخلة هامة بصفته ناقداً للأوراق الثلاث السابقة.

ويجمع الدكتور عثمان بين تخصصات عدة، فهو حاصل على بكالوريوس العلوم السياسية من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ودرجة الماجستير في الدراسات العربية من جامعة “سانت أندروز” بأسكتلندا، ثم الدكتوراه في دراسات الشرق الأدنى من جامعة “برينستون” عام 2010 عن موضوع “تاريخ المذهب الظاهري وأصول فقهه” تحت إشراف المستشرق الشهير “مايكل كوك”، بالإضافة إلى حصوله على دكتوراه مهنية في القانون من جامعة “حمد بن خليفة”، وتتركز اهتماماته حول الفكر والدراسات الإسلامية والتاريخ الإسلامي، والقانون المعاصر، وحقوق الإنسان، وله العديد من المؤلفات والترجمات باللغتين العربية والإنجليزية.

وفي بداية كلمته أوضح للحضور أنه لم يطلع على نصوص المداخلات مسبقاً، بل استمع لها مباشرة في الجلسة بعد أن كان قد جهّز نقاطه النقاشية. وأفاد في معرض حديثه بأن “مايكل كوك”، رائد النقد الجذري الذي ذُكر مراراً في الندوة، كان مشرفاً له في مرحلة الدكتوراه بجامعة برينستون، أما “جوناثان براون”، وهو من مواليد 1977 أي في أواخر الأربعينيات من عمره، فهو صديق شخصي له من جيل أسبق قليلاً.

وقد أبدى عثمان تحفظاً على وصف براون بلقب “المستشرق”؛ لأن براون قد ينزعج من الدلالات السلبية لهذه الكلمة، داعياً، كما فعل في مؤتمر حديث للمستشرقين، إلى إعادة النظر في هذا المصطلح لأنه “لا يوجد مستشرقٌ واحد بنمط ثابت، بل توجد توجهات وافتراضات مختلفة”. وفي هذا السياق، استدعى الدكتور عمرو النقاش الذي دار سابقاً مع زميله الدكتور عبدالرحمن حينما عرض أفكار “روزنتال”، حيث سأله عثمان وقتها: “لماذا لا يستخدم المستشرق نفس المنهج النقدي عند الحديث عن سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام؟”؛ ليؤكد عثمان في تعقيبه استحالة فصل دراسة تاريخ الإسلام عن الدين الإسلامي، خلافاً لما قد يظنه البعض، مشيراً إلى أنه بدءاً من “جولدزيهر” لا يوجد فصل بينهما.

اتجاهات “دونر”

 انتقل الدكتور عثمان لتقديم التصنيف التاريخي الذي وضعه “فريد دونر” أستاذ جوناثان براون، الأستاذ بجامعة شيكاغو في قسم لغات الشرق الأدنى، وهو مستشرق معاصر يناهز الثمانين من عمره، وله كتاب بعنوان “سرديات أصل الإسلام: بدايات الكتابة التاريخية الإسلامية” صدر عام 1998، ويرتبط منهجياً بفرانس روزنتال.

وقد صنف دونر اتجاهات الباحثين الغربيين في تاريخ الإسلام (متحاشياً استخدام لفظ Orientalist اليوم) خلال القرون الأربعة الأخيرة، وذلك بعد تجاوز مرحلة كتابات الطعن الصليبية (Polemic) التي كانت قائمة على الخرافات، إلى الاتجاهات التالية:

الاتجاه الوصفي (Descriptive)

وقد ظهر هذا الاتجاه في القرن الثامن عشر مع “جيبون” (Gibbon)، ويُعد هذا الظهور، وفقاً لتصنيف دونر، البداية الحديثة لما يمكن اعتباره “دراسات تاريخية حقيقية”؛ إذ جاء بمثابة قطيعة مع قرون طويلة من الكتابات الهجومية (Polemic) التي سادت منذ الحروب الصليبية وما بعدها. وقد أوضح عثمان أن تلك الكتابات السابقة لم تكن دراسات علمية بأي تعريف، بل كانت تهدف حصراً للطعن في الإسلام ونبيه ، معتمدة في ذلك على مجموعة من الخرافات والأساطير، بخلاف الاتجاه الوصفي الذي حاول تقديم قراءة تاريخية. وقد تابع هذا المسار باحثون مثل “فون غرونيباوم”، و”يو كينيدي” (الذي لا يزال حياً)، و”لابيدوس” (من جامعة يو سي بيركلي). وتميز هذا الاتجاه بقبول المخطط العام للمصادر الإسلامية كما هي، ولكن بلا روح نقدية كافية، وهو رأي لفريد دونر لا يوافقه عليه الدكتور عثمان تماماً.

اتجاه نقد المصادر (Source Criticism)

برز هذا الاتجاه في نهاية القرن التاسع عشر بعد بدء طباعة وتحقيق أمهات المصنفات الإسلامية. وتقوم منهجيته على مقارنة الأخبار، ونقد التناقضات، والتعامل بجدية مع “الفجوات” (Gaps)؛ والمقصود بها تلك المساحات التي تسكت عنها المصادر، كأن تذكر المصادر حدثاً ثم تتبعه بآخر لا يُعقل منطقياً أن ينتج عنه، مما يستدعي افتراض وجود حلقة مفقودة لم يذكرها المؤرخ، إما لجهله بها أو لقراره بحجبها لسبب ما. كما يهتم هذا الاتجاه بكشف التحيزات، ورصد الأخبار غير الجائزة تاريخياً التي يستحيل حدوثها في زمن الرواية. ويفترض أصحاب هذا الاتجاه إمكانية التمييز بين الصحيح والزائف باستخدام “منهجية تاريخية سليمة”. ومن أبرز ممثليه: الهولندي “دي خويه” و الألماني “فيلهاوزن” ، و الإيطالي “كايتاني”

اتجاه نقد الحديث شكل “جولدزيهر”

حيث اعتبر أن أغلب الأحاديث “مختلقة أو منتحلة أو موضوعة”، وأنها تعبر عن أفكار القرون الأولى لا عن أقوال الرسول . تلاه “شاخت” بنظرية النمو العكسي للأسانيد، ثم جاء “يونبول” (Juynboll)، المستشرق الهولندي الذي وصفه عثمان بأنه “خطير جداً”؛ إذ شكك في الأسانيد وتحدث عن اختلاق شخصيات وحتى كبار الرواة، وانتقد ما يسمى بـ “المعدّلين” (أو الرواة المدارات – Common Links)، مشيراً بتهكم إلى فكرة المعمّرين في الأسانيد الذين يُزعم أن الواحد منهم عاش حتى 120 عاماً لتقليص الفجوة الزمنية. وقد أبرز جولدزيهر فكرة “الرواية الشفوية” في القرنين الأوليين، واصفاً إياها بأنها “مائعة” (Fluid) وعرضة للتغيير، بخلاف النص المكتوب الذي يتسم بالجمود (Frozen). وقد أثار هذا الطرح ردوداً علمية واسعة، منها مقالة “مايكل كوك” الشهيرة عن “الكتابة ومعارضو الكتابة في صدر الإسلام” ، وأعمال المستشرق الألماني “جريجور شولر” ، الذي أثبت وجود الكتابة منذ القرن الأول  للإسلام تزامناً مع النقل الشفهي، وأن الشيوخ كانوا يقرؤون من نصوص مكتوبة. ويتفق “موتسكي” مع هذا الرأي، وكذلك “نبية عبود” التي رأت أن الكتابة كانت أبكر مما اعتقد المسلمون، إضافة إلى أعمال “فؤاد سزكين” و”جوزيف فان إس”.

اتجاه الشك الجذري

بدأ هذا الاتجاه مع “هنري لامنس”، ثم “باتريشيا كرون” ، و”مايكل كوك”. وأوضح الدكتور عثمان إلى نقطة مفصلية في مسار الدراسات الغربية، وهي تراجع “اتجاه الشك” حالياً؛ فـ “باتريشيا كرون” قد توفيت، و”مايكل كوك” ذاته لم يعد يذكر كتابه المثير للجدل “الهاجريون” (Hagarism) في سيرته الذاتية الرسمية بجامعة برينستون، وهو الكتاب الذي ألفه عام 1977 حين كان في العشرينيات من عمره ولم يحصل على الماجستير بعد؛ مما يوحي بأنه ربما يعتبره “غلطة “ خاصة وأنه أصدر لاحقا كتابه الموسوعي عن الأمر بالمعروف الذي استغرق 15 عاما من البحث.

ويعتقد الدكتور عثمان استحالة قبول أطروحة “المؤامرة الكبرى” والتي تزعم بأن المسلمين اتفقوا جميعا، في نهاية القرن الأول الهجري وبعد خروجهم من الجزيرة العربية، على اختلاق دين كامل وقصة تاريخية لنبي اسمه محمد – – وبناء أماكن مقدسة، وذلك بهدف التميز عن اليهود والنصارى وادعاء وجود تاريخ قومي لهم. وقد اعتبر عثمان أن عبء إثبات هذه الفرضية يقع على عاتق أصحابها لأنها فرضية “تخالف العقل والعادة وطبيعة الأشياء”، إذ يستحيل عادة تواطؤ جيل كامل على اختلاق تاريخ من العدم دون أن يترك ذلك أثراً.

 وأشار إلى تبني هذا الاتجاه عدد من المستشرقين منهم “هوتينغ”، و”أندرو ريبين و”نورمان كولدر” الذي وصفه عثمان بأنه “الأسوأ” لتشكيكه في نسبة كتب مركزية مثل “الرسالة” للشافعي و”الموطأ” لمالك ومصنفات القرن الثاني.

وصنف الدكتور عثمان أعمال كل من موتسكي وروزنتال وجوناثان براون بحسب تصنيف دونر الذي استعرضه،  ضمن اتجاه نقد المصادر ونقد الحديث الذي يؤمن بوجود “بذرة الحقيقة”، موضحاً أن الغرب يعتمد “المنهج التاريخي النقدي” الذي أصله “الشك” وليس “سوء الظن”. ويتمثل هذا الشك في التأكد من نسبة المصدر، وأصالته، وعدم تحريفه عبر مقارنة المخطوطات، ورصد المفارقات التاريخية، واختلاف الأسلوب، والأدلة الداخلية والخارجية، مع اعتبار أن النصوص لها هدف، أي وجود انحياز لا شعوري للمؤرخ وضرب مثالا على ذلك بعلاقة الطبري بالحنابلة.

جوناثان براون وعلم العلل

 وفي ختام تعقيبه، توقف الدكتور عثمان عند شخصية جوناثان براون، واصفاً إياه بأنه يرى نفسه “أعلم أهل زمانه بالحديث” أو “خادم الحديث النبوي”، ويمتلك ذاكرة حديدية تحفظ أسماء الرواة بدقة. ومع ذلك، اختلف عثمان مع زميله الدكتور الوريكات في مسألة جهل الباحثين الغربيين بـ “علم العلل”، مستشهداً بزميله الأمريكي المسلم “سكوت لوكاس” (Scott Lucas)، الحاصل على الدكتوراه بإشراف الدكتورة “برناديت كاردوني” في جامعة شيكاغو. فقد ألف لوكاس كتاباً بعنوان “النقد البناء” (Constructive Critics) حلل فيه بدقة متناهية مصطلحات الجرح والتعديل في كتاب “الطبقات” لابن سعد و”العلل” لابن معين. واللافت، كما أشار عثمان، أن لوكاس أنجز هذا العمل الضخم قبل ظهور ما يعرف بـ “الإنسانيات الرقمية” (Digital Humanities)، حيث قام بإجراء إحصاءات يدوية شاملة لكافة الأسماء والمصطلحات، راصداً بدقة الفروق بين أوصاف مثل: “ثقة”، و”ثقة إن شاء الله”، و”ضعيف”، و”معروف”، و”مأمون”، و”عابد”، و”صالح”، و”عالم”؛ مما يثبت أن الجيل الجديد من الباحثين الغربيين يمتلك أدوات تحليلية دقيقة واستيعاباً عميقاً لمصطلحات النقد الإسلامي.

واختتم الدكتور عمرو عثمان تعقيبه بإبداء تحفظه مجدداً على استخدام مصطلح “المستشرقين” نظراً للاختلافات الكبيرة بينهم، موجهاً شكره للحضور، ومعرباً عن تطلعه لمناسبات قادمة للحوار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى