ثقافة الاستعداد والجاهزية: كيف نواجه عواصف الحياة؟

تعتبر ثقافة الاستعداد والجاهزية من أهم السمات التي تميز الإنسان الناجح في مواجهة التحديات؛ حيث يحفل الأدب الشعبي بالكثير من القصص الواقعية والخيالية تلك القصص التي تصف الإنسان وتقدم له الحكمة؛ ومن هذه القصص أن رجلاً في قرية تمر بها الكثير من العواصف والزوابع التي تطيح بالأسقف وتهدم المباني البسيطة.
قصة المزارع الذي ينام وقت العواصف
كان الرجل صاحب مزرعة يربي فيها الماشية ويحتفظ بمخزونه من طعام الحيوانات وما تخرجه الأرض، ونظراً لكبر حجم العمل يحتاج الرجل إلى مساعد. يأتي المساعد ليعمل في بناء المخازن وأماكن تربية الحيوانات، ثم تهب العاصفة فتفسد كل شيء ويخسر معها المزارع جزءاً من ثروته.
وتفادياً لمزيد من الخسائر، بدأ المزارع يتحقق من عماله الجدد فيسألهم: “هل عملت في بناء المخازن وصيانة المباني؟”، فيقول أحدهم: “نعم، وأبي وجدي كذلك ورثناها كابراً عن كابر”، وما هي إلا أسابيع حتى تهب العواصف ويخسر المزارع جزءاً من ماشيته ومبانيه.
واصل رحلة البحث عن مساعد جديد حتى وجد رجلاً في قرية بعيدة عن قرية الكذابين هذه، سأله: “هل عملت في بناء المخازن وصيانتها وتربية الماشية؟”، قال: “أنا الذي أنام عندما تهب العواصف”. كرر المزارع السؤال وكرر المساعد الإجابة.
لم يسترح لغيره ممن رآهم من العمال، ومن ثم اصطحبه لقريته. مارس المزارع عمله الاعتيادي وراقب العامل فوجده يعمل بجد ونشاط. هبت العاصفة، هرع المزارع إلى العامل وعلى لسانه كلمة واحدة: “العاصفة.. العاصفة!”، رد المساعد: “ألم أقل لك: أنا الذي أنام عندما تهب العواصف؟”.
لم يجد الرجل فائدة من الحديث معه، وذهب لكي يصون أمواله ويقوي البنايات وينقذ ما يمكن إنقاذه، فوجد الأسقف في مكانها ومخازن الغلال محفوظة. عاد إلى المساعد شاكراً. هذه القصة الرمزية أو الحقيقية نحن بحاجة إليها باستمرار؛ فإن عواصف الحياة لا تنقطع، فإذا ما هبت عاصفة وجدنا أنفسنا في قمة الجاهزية.
مفهوم الاستعداد وأبعاده
وللاستعداد أوجه كثيرة؛ بدءاً من إعداد الخطط والخطط البديلة، والاستعداد باختيار أنسب الطرق للوصول لأهدافنا، والاستعداد باختيار الشخص المناسب الذي يقوم بالعمل.
وإذا أردنا أن نعرف وصف النبي ﷺ ورسالته فلنعد إلى قوله: (أَنَا النَّذِيرُ العُرْيَانُ، فَالنَّجَا النَّجَاءَ، فَأَطَاعَتْهُ طَائِفَةٌ فَأَدْلَجُوا عَلَى مَهْلِهِمْ فَنَجَوْا، وَكَذَّبَتْهُ طَائِفَةٌ فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ فَاجْتَاحَهُمْ) [1]. في القديم إذا رأى الرجل جيشاً مهاجماً خلع ثيابه وأشار بها إلى قومه لكي يتجنبوا هذا الهجوم، فالذين استعدوا واستمعوا للإنذار نجوا، والذين قالوا هذا إنذار كاذب هلكوا.
الاستعداد في حياة المسلم
وكلما اقترب شهر رمضان أكثر الخطباء والكتاب من الحديث عن الاستعداد لشهر رمضان؛ لما له من مزايا عديدة ومنزلة عظيمة عند الله تعالى وعند الناس. والحق أن المسلم دائماً على أهبة الاستعداد، ولما سُئل النبي ﷺ: «مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: (وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا)» [2].
ما أعددته للساعة قد يكون أمراً تتغير به الكرة الأرضية والحضارة الإنسانية، وقد يكون كصفة الرجل الذي قال عنه النبي ﷺ: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» [3]، وكانت صفته التي جعلته من أهل الجنة: “غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ” [4].
مجالات الاستعداد من وحي السيرة النبوية والسلف
وأوجه الاستعداد في حياته ﷺ وحياة الصالحين من بعده كثيرة، منها:
1. الاستعداد للهجرة وبناء المجتمع
قبل أن يهاجر النبي ﷺ إلى المدينة أرسل مصعب بن عمير وقام رضي الله عنه بدوره خير قيام فـ «لَمْ تَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إلَّا وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ مُسْلِمُونَ» [5]. أعد مصعب بن عمير رضي الله عنه المدينة لاستقبال النبي ﷺ أحسن استقبال وجعل منها بفضل الله تعالى بيئة خصبة للإسلام.
2. الاستعداد للمواضع المرموقة والمسؤولية
قال عمر رضي الله عنه: “تفقهوا قبل أن تسودوا“، وَقَالَ أَبُو عبد الله البُخَارِيّ: “وَبعد أَن تسودوا” [6]. أشار الشراح إلى أن من كان في مكانة مرموقة يستحي أن يتعلم بعد أن وصل إليها حتى لا يستصغره الناس، وهناك معنى يمكن أن نشير إليه وهو أن المسؤولية العامة تحتاج إلى علوم ومهارات كثيرة، وأن من تولى هذه المسؤولية دون أن يمتلك التأهيل المناسب يعجز عن القيام بما كُلف من أمانة، وذلك بسبب ضيق وقته عن التعلم واعتزازه بالمنصب الذي يجعله دائماً في موضع المعلم والخبير الذي ينبغي أن يفهم في كل شيء، ولذلك يمكن حمل هذا الأثر على الاستعداد لتولي المسؤوليات العامة بالعلم والخبرة اللازمين.
3. الاستعداد للقاء الله بالتوبة
يكون بالتوبة وهي علم بما يجب على المسلم نحو ربه ونفسه والناس وما وقع فيه من أخطاء، وندم على ما قصر في حق الله تعالى وحق الناس، وحال يتغير من السيئ إلى الحسن، وتقصير يكمله بأداء ما لم يؤده من أمانات ائتمنه الله تعالى عليها، وأخطاء يصححها.
4. الاستعداد لمواضع البذل والتضحية
وهي شديدة على النفس التي تحب الحياة وتحب المال، وتقديم كل ذلك أو بعضه طلباً لرضا الله يحتاج لجهد كبير وتزكية للنفس وترغيبها وترهيبها.
الاستعداد في الشأن الشخصي والأسري
- استقبال الضيوف: كلما انتظرنا زائراً له مكانة في القلب استعددنا له من نواحٍ كثيرة منها: إعداد الطعام الذي يحبه الضيف، وتهيئة البيت لاستقباله، واقتطاع جزء من وقتنا حتى نسعد بالضيف ويسعد بنا.
- الاستعداد للزواج: يحتاج إلى استعداد ليس بالمال والمنزل فحسب، بل إلى تهيئة نفسية وعقلية واجتماعية للزوجين، وإدراك لما سيقبلان عليه من واجبات تقتضي عقلاً راجحاً وصبراً جميلاً وفضلاً ورحمة وتغافلاً عن الصغائر وتقديراً للمعروف ومعرفة بحل الخلافات وتغليباً لمصلحة الأسرة على الرغبة في الاستحواذ على دفة قيادتها.
- تأمين مستقبل الأبناء: وهو أمر يشغلنا كثيراً، ويسير الناس في طرق معوجة ظناً منهم أنها تؤمن مستقبل أبنائهم، وقد أرشدنا الله تعالى في كتابه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: 9]. وبين رسوله ﷺ أهمية ترك النفقة بقوله: «إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» [7]. وقبل ذلك وبعده بناء اليقين عندك وعند أبنائك في الله تعالى؛ إنك تذهب مطمئناً إلى ماكينات الصرافة طالما تعلم أن حسابك فيه أموال، أفلا تطمئن إلى خزائن الله تعالى المليئة بالخير؟ ولو وقف الأولون والآخرون لكي يأخذوا ما يحتاجون فلن تنفد ولن تنقص.
الاستعداد للعبادة والبلاء
- الصلاة: تحتاج إلى استعداد وتهيئة من تفريغ العقل والقلب من الشواغل قدر الطاقة، والحضور قبل الصلاة بوقت تتيسر فيه تهيئة النفس بالذكر أو بالصلاة، لنصل إلى ما قاله النبي ﷺ: “أَرِحْنَا بِهَا” [8].
- أجر الاستعداد: يعد الاستعداد الخطوة الأولى للعمل الصالح، ولذلك فلصاحبه إن شاء الله أجر يبدأ مع النية، قال رسول الله ﷺ: «نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ» [9]، وصولاً إلى كل خطوة يخطوها الإنسان ليحقق الجاهزية الكاملة.
- الاستعداد للبلاء: الدنيا دار ابتلاء، فإذا أيقن الإنسان ذلك استعد للبلاء بما يستعد به عباد الله الصالحون، وذلك بالتقرب إلى الله تعالى زمن الرخاء، وفي قوله ﷺ: «تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» [10] إشارة إلى أن العمل الصالح في وقت السعة يفرج الله تعالى به الكربات ويزيح به الهموم.
وعَنْ أَنَسٍ يَرْفَعُهُ: «أَنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا دَعَا فِي بَطْنِ الْحُوتِ، قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ هَذَا صَوْتٌ مَعْرُوفٌ مِنْ بِلَادٍ غَرِيبَةٍ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَمَا تَعْرِفُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: عَبْدِي يُونُسُ، قَالُوا: عَبْدُكَ يُونُسُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يُرْفَعُ لَهُ عَمَلٌ مُتَقَبَّلٌ وَدَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: يَا رَبِّ، أَفَلَا تَرْحَمُ مَا كَانَ يَصْنَعُ فِي الرَّخَاءِ فَتُنْجِيَهِ مِنَ الْبَلَاءِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَأَمَرَ اللَّهُ الْحُوتَ فَطَرَحَهُ بِالْعَرَاءِ». وَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ: “اذْكُرُوا اللَّهَ فِي الرَّخَاءِ، يَذْكُرْكُمْ فِي الشِّدَّةِ، إِنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى، فَلَمَّا وَقَعَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ – لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 143 – 144]” [11].
منارات في ثقافة الاستعداد
- الاستعداد يعني وضوح الرؤية وتحديد الهدف، وهذا يقتضي الانتباه للفرص السانحة وحسن استثمارها.
- هناك استعداد فطري يملكه شخص صاحب همة عالية يحسب لكل أمر حسابه ويهيئ العدة لكل موضوع، يفكر في كلماته قبل أن ينطق، يختار المكان الذي يجلس فيه. وهناك استعداد مكتسب يأتي بالتربية والتأهيل؛ تأهيل الروح لما هي مقدمة عليه والتمرين على الصبر من خلال العبادات، فالصوم نصف الصبر، وتنمية الإرادة القوية المبادرة.
- من الاستعداد البحث عمن يعينك على ما تريد.
- كل جهد تبذله في الإعداد يوفر عليك الكثير من الوقت والجهد، وكلما كان الاستعداد صفة ملازمة كلما تراكمت الخبرات وانتفع الإنسان بالتجارب.
- قد تٌعِد لشيء وتجني ثمرته وينتفع غيرك بالثمرة، وقد تٌعِد لشيء ويأتي غيرك ليقطف الثمرة، لا تظن أن ما بذلته من جهد قد ضاع؛ فإن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره.




