هنري دو كاستري وسوانحه – إسلام أون لاين

يحكي هنري دو كاستري، مؤلف كتاب “الإسلام خواطر وسوانح”(1)، كيف كان يجوب صحراء الجزائر يوما، وخلفه ثلاثون فارسا، يتسابق كل منهم لخدمته وإرضائه، بما يتناسب مع جو الانحطاط النفسي الذي رسخه الاحتلال في نفوسهم. غير أنه ما إن حانت صلاة العصر حتى ترجل الفرسان واصطفوا لأداء الصلاة جماعة.
” كنت أود لو انشقت الأرض فابتلعتني- يقول المؤلف– وجعلت أشاهد البرانس العريضة تنثني وتنفرج بحركات المصلين، وأسمعهم يكررون بصوت مرتفع: الله أكبر، الله أكبر..”. ولعل ما أثاره تحديدا هو شعور العزة والرفعة الذي استرده أفراد حاشيته، وكيف أن الصلاة جعلتهم أرفع منه مقاما، حتى كاد أن يصيح فيهم: “أنا أيضا أعتقد بالله، وأعرف الصلاة، وكيف أعبد!”
أثار جمال الإسلام وبساطته ووضوحه رغبة المؤلف في تسجيل تأملات وخواطر، هي وليدة صحبة طويلة للمسلمين بحكم وظيفته. غير أنه عكف على كتابتها لا لتمجيد الإسلام فحسب، وإنما لتصحيح الأغلاط التي علقت بأذهان المسيحيين، ورد المزاعم والافتراءات التي روج لها بعض المستشرقين، حرصا منهم على إبقاء شعور البغضاء والنفور من الإسلام ونبيه. وهو عمل شاق، برأيه، لأنه لا يرسخ في الاعتقاد أكثر من خطأ الاعتقاد!
شكلت أقاصيص القرون الوسطى، وأغاني القُوّال ذهنية المسحيين تجاه الإسلام وشخص النبي ﷺ. وتمحورت بالأساس حول ادعائه للألوهية، وتأليفه للقرآن، بل واتخاذه صنما يعبده المسلمون. وينقل على سبيل المثال فحوى نشيد “بودوان” الذي يحكي خبر الكونتيسة (بونتيو)، لما أرادت اعتناق الإسلام أمام صلاح الدين، أنها قالت: “أريد أن أعبد محمدا فائتوني به. فلما صار-الصنم- بين يديها خرت له ساجدة“.
ويبدو أن هذه الأكاذيب قد تركت أثرا ليس فقط لدى عموم الناس، بل حتى لدى المؤرخين الذين ينشدون الحقائق، ويؤمنون بالصرامة العلمية في التعامل مع الوقائع والأحداث.
رسمت أدبيات العصور الوسطى صورة فجة عن الإسلام وشعائره. لكن خلال عصر التنوير، لاسيما مع فولتير وغوته، ستبدأ محاولات لتحديد شخصية النبي ﷺ ودراستها بجدية. وسيحظى بصورة إيجابية خاصة مع الرومانسيين أمثال لامارتين وفيكتور هوغو، بل سيوصف في بعض الأعمال الأدبية بأنه شخصية محبوبة.
يعقد المؤلف الفصل الأول من كتابه للدفاع عن صدق نبوة محمد ﷺ، وجرد الأدلة التي تؤكد أنه ليس بدعا من الرسل. وفي مقدمتها صفاته الشخصية التي تمتع بها لسنوات عديدة في قومه، كالصدق والأمانة، وسيرته الخالية من نقائص الطبيعة البشرية التي كانت تضج بها مكة آنذاك. وهي سيرة لا تليق إلا بنبي.
أما الدليل الثاني فهو أميته التي لم يشكك فيها أحد من معاصريه، والتي تبطل ادعاء قراءته للكتب المقدسة أو اقتباسه منها. إذ لو قرأ تلك الكتب، يقول إسكندر ديون، لردّها لاحتوائها على مذهب التثليث، وهو مناقض لفطرته، ومخالف لوجدانه منذ خُلق.
اقرأ أيضا
وفيما يتعلق بمسألة الوحي فإن الباحث المسيحي لم يهتد إلى حلها حلا مُرضيا، لأن عقله لايزال مشدودا إلى خرافات القرون الوسطى:
(والعقل يحار: كيف يتأتى أن تصدر تلك الآيات عن رجل أمي، وقد اعترف الشرق قاطبة بأنها آيات، يعجز فكر بني الإنسان عن الإتيان بمثلها لفظا ومعنى! آيات لما سمعها عتبة بن ربيعة، حار في جمالها. وكفى رفيعُ عباراتها لإقناع عمر بن الخطاب؛ فآمن برب قائلها. وفاضت أعين النجاشي امبراطور الحبشة بالدموع حينما تلا عليه جعفر بن أبي طالب سورة مريم.) ص42
يتتبع المؤلف في الفصل الثاني خطوات انتشار الإسلام، سواء داخل الجزيرة العربية أو في زمن الفتوحات خارجها. ويعتبر أن ما لقيه النبي ﷺ من معارضة وتأليب من لدن العرب المشركين، ثم تصديه لعداوتهم بالسيف لهو موقف طبيعي، لا يشذ عما لقيه الأنبياء قبله من صنوف التعنت والإيذاء. وبذلك يفكك المؤلف سردية صليبية عمّرت لوقت طويل في كتب المستشرقين، مفادها أن الدعوة الإسلامية قامت بالسيف، وأن العالم المسيحي كان في زمن الفتوحات يئن تحت وطأة الاضطهاد المحمدي:
(إذا انتقلنا من الفتح الأول للإسلام، إلى استقرار حكومته استقرار منظما، رأيناه أكثر محاسنة، وأنعم ملمسا بين مسيحيي الشرق على الإطلاق. فما عارض العرب أبدا شعائر الدين المسيحين بل بقيت روما نفسها حرة في المراسلات مع الأساقفة الذين مازالوا يرعون الأمة الخالية..) ص74
ومن أمثلة الفتح التي استدل بها المؤلف على سماحة الدين الجديد، ما جرى في بلاد الأندلس من تعايش وسياسة رحيمة، دفعت عقلاء المسيحيين إلى الانحياز إلى المسلمين، والتعلق الشديد بمظاهر التمدن العربي. بينما يسجل نماذج للبغضاء التي حرصت الكنيسة الأندلسية آنذاك على تغذيتها، ومنها على سبيل المثال لجوء قس في قرطبة يدعى” إيلوغوا” إلى تحريض أتباعه على سب النبي ﷺ، والتعرض لعقوبة الإعدام من لدن قضاة المسلمين، باعتبارها تضحية ينال مرتكبها حب المسيح وخلود ذكره في الكنائس!
وفي الفصل الثالث يعالج المؤلف قضية تعدد الزوجات، ويرد على الأكاذيب التي ألصِقت بنبي الإسلام وشريعته في هذا الصدد. وهو يستغرب كيف أن المؤرخين يقرون بكونها عادة قديمة لدى العرب، وأن من طبائع الأمم الشرقية تعدد الزوجات لما فيهم من قوة الجسم وسلامة الجنس، لكنهم يسارعون إلى الاعتراض على شريعة القرآن التي تبيحه بشروط معلومة، مثلما تحرم الاسترسال مع الشهوات، وتوجب التمسك بقواعد العصمة!
في المقابل يثير المؤلف مسألة الحشمة، وأخلاق العفة التي تشدد عليها نصوص الكتاب والسنة، وكيف أنها شبه مفقودة في الغرب المتمدن:
(إن الناس بالغوا كثيرا في مضار تعدد الزوجات عند المسلمين، إن لم نقل: إن ما نسبوه إليه من ذلك غير صحيح. فما تعدد الزوجات هو الذي ولّد في الشرق تلك الرذائل الفاضحة، بل المعقول أنه من شأنه تلطيفها.) ص91
ويمضي المؤلف في جرد بعض المسائل الدينية التي تثير التعقيد والإشكال عند المسيحيين، بينما ترد في غاية الوضوح والانسجام مع فطرة المسلم. وهكذا يخصص الفصل الرابع لمفهوم الحياة الآخرة، حيث يوجه النقد لمجمل التفسيرات الغائمة لمدلول السعادة الأخروية والتي انقسمت برأيه إلى مذهبين متناقضين: أحدهما يعتبرها حالة نفسية مرجعها طهارة القلب، وتحقق المشابهة بين الخالق والمخلوق؛ بينما يزعم الآخر أنها أمر مادي محسوس.
أما الإسلام فقد ضرب للآخرة أمثلة حسية وقريبة المنال، لكنه حرّم في الوقت نفسه تشبيه الخالق بالمخلوق، وبالتالي عطّل الأوهام التي قد تفضي بالعقول إلى تجسيم الإله، عملا بالآية الكريمة (ليس كمثله شيء).
وفي الفصل الخامس يعرض لمبحث القضاء والقدر، والفرق بين القرآن وتفسيرات علماء المسيحية في الجمع بين القدرة الإلهية والحرية الإنسانية. وبينما كانت النصوص والاجتهادات التي تلتها واضحة وبينة لدى المسلمين، فإنها أثارت انشقاقا خطيرا أفضى في النهاية إلى بروز مذهب جديد يقول بتأثير الله واختيار الإنسان معا، غير أن الخلاف العظيم استمر من خلال إيجاد مصطلحات لا تخلو من سفسطة.
ويبدو أن مسألة الفتوحات الإسلامية ظلت تلح على المؤلف، ليعود في فصل سادس إلى بحث أسباب انتشار الدين الجديد، ورد فرية العنف التي رددها جل المستشرقين قبله؛ ليخلص إلى القول بأن سر انجذاب الناس لهذا الدين راجع بالأساس إلى ما أودع فيه من إعلاء شأن النفس، بتصور الذات الإلهية على صفات فوق صفات البشر، تذكرها خمس صلوات في اليوم، وبترفقه بالطبيعة البشرية من حيث إنه أتاح للناس شيئا مما يشتهون.
ولد هنري دو كاستري بفرنسا سنة 1850لعائلة من الطبقة الارستقراطية. وانضم إلى الجيش عام 1870، ثم التحق بالأكاديمية العسكرية، ليتم تعيينه مشرفا على الأراضي الصحراوية المتاخمة للحدود المغربية بعد تخرجه عام 1873؛ حيث كُلّف بتسيير ما سمي آنذاك بالمكاتب العربية، والتي جرى تعميمها بمختلف المناطق الجزائرية لدراسة البيئة الاجتماعية، وتسهيل مخططات الغزو الفكري والثقافي الصليبي.
وفي الجزائر تعلم دو كاستري اللغة العربية، وسلك درب المغامرات مع بدو الصحراء، حيث أبدى اهتماما عميقا بالإسلام، وأثره على شعوب إفريقيا تحديدا. وبعد عودته إلى فرنسا، انصب اهتمامه على الشعر البدوي الذي جمعه خلال رحلاته المتعددة، وترجم عددا من قصائده.
وبدءا من سنة 1905 شرع في تأليف عمله الأبرز: “مصادر غير منشورة لتاريخ المغرب“. ويعد أضخم أرشيف وثائقي يغطي تاريخ المغرب في عهدي السعديين والعلويين، ويضم أزيد من ثلاثين مجلدا يشتمل على وثائق فرنسية وإسبانية وهولندية وإنجليزية، مستخرجة من الخزانات الأوربية.
حظي دو كاستري بمناصب قيادية عديدة أهمها منصب المستشار التاريخي للحكومة الشريفية بالمغرب سنة 1914، حيث عُهد إليه بتأسيس مصلحة المحفوظات، ومواصلة نشاطه في التحقيق والتصنيف، وتنسيق البعثات إلى أن وافته المنية عام 1927.
يعدّ المؤلف نفسه من المستعربين لطول إقامته في الجزائر، ومخالطته لأهلها في معاشهم وتدينهم وسلوكهم الاجتماعي. وبالتالي فهو أقدر من المستشرقين على الكتابة عن الإسلام، وعرض مسائله وموضوعاته، لذا لا يخفي تهكمه من سياسة فرنسا الاستعمارية في إفريقيا، وفشلها في تحويل شعوبها إلى النصرانية:
” أنى لنا في الوصول إلى نقل تلك الأمم من القرآن إلى الإنجيل؟ وكيف يمكن أن يصير الوثنيون عبادا للمسيح بعد اعتناقهم الإسلام، وهو الدين الذي يتمكن من القلوب فلا يفارقها؟هنا يختلط علينا المقصد الإلهي فلا ندرك مرماه!”




