ما يهم المسلم

مقام المراقبة وأثره في صلاح القلوب وطريق الإحسان


يُعدّ مقام المراقبة وأثره في صلاح القلوب من أهم الركائز الإيمانية التي ينبغي للمسلم فقهها؛ فـ يقوم صلاح العبد واستقامته على صلاح قلبه، وكلما كان القلب أعظم معرفةً بالله، وأشدَّ حضورًا معه، كان صاحبه أقرب إلى الطاعة وأبعد عن الغفلة والمعصية. ومن أعظم المقامات التي تُحيي القلب، وتزكِّي النفس، وتورث العبد صدق العبودية: مقام المراقبة.

فالمراقبة تُشعر العبد بدوام اطِّلاع الله عليه، وعلمه بسرِّه وعلانيته، فيعيش مستحضرًا قرب ربِّه منه في جميع أحواله؛ في عبادته ومعاملته (قوله وعمله) وفي خلوته وجلوته. وإذا استقرَّ هذا المعنى في القلب أورثه الإخلاص، والخشية، والحياء من الله، وحفظ الجوارح عن المخالفات.

ولهذا كانت المراقبة أصلًا عظيمًا من أصول السير إلى الله، وركنًا من أركان مقام الإحسان الذي قال فيه النبي : «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».

وسيكون الحديث في هذه المقالة عن معنى المراقبة، ومنزلتها، ومراتبها، وثمراتها، وأثرها في صلاح القلوب والأعمال، مع ذكر شيءٍ من نصوص الكتاب والسنة، وأخبار السلف في هذا الباب العظيم.

دلالة المراقبة في اللغة والاصطلاح

أولاً: دلالة المراقبة في اللغة

المُرَاقَبَةُ لغةً: مصدرٌ من قولهم: راقبَ مُراقبةً، وهو مأخوذٌ من مادة (ر ق ب)، التي تدلّ على الانتصاب والمراعاة للشيء. ومن ذلك: الرقيب، وهو الحافظ.

وتقول: رَقَبْتُ الشيءَ أَرْقُبُهُ رُقُوبًا وَرِقْبَةً وَرِقْبانًا وَرَقابةً: إذا رصدته. والمَرْقَبُ والمَرْقَبَةُ: الموضع المُشرِف العالي الذي يقف عليه الناظر. ومن ذلك اشتقاق الرقبة؛ لأنها منتصبة، ولأن الناظر لا بد أن ينتصب عند نظره. ورَقَبَ الشيءَ يَرْقُبُهُ أيضًا: حَرَسَه.

ومن أسماء الله تعالى: الرقيب، وهو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء، وهو فعيل بمعنى فاعل. انظر: “الصحاح في اللغة” (1/137)، و”لسان العرب” (5/279)، و”القاموس المحيط” (1/90).

قال ابن القيم في “نونية ابن القيم” (3298):

وَهُوَ الرَّقِيبُ عَلَى الخَوَاطِرِ وَاللوَاحِظِ كَيْفَ بِالْأَفْعَالِ بِالْأَرْكَانِ؟

ثانياً: دلالة المراقبة في الاصطلاح

وأما المراقبة في المعنى الشرعي: فقد عرّفها ابن القيم بأنها دوامُ علم العبد وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه؛ فاستدامة هذا العلم واليقين هي المراقبة. وهي ثمرة علمه بأن الله سبحانه رقيبٌ عليه، ناظرٌ إليه في كل طرفة عين، سامعٌ لقوله، مطلعٌ على عمله في كل وقت، وكل لحظة، وكل نفس.

والملخص أن المراقبة هي التعبد بأسماء الله: الرقيب، الحفيظ، العليم، السميع، البصير؛ فمن عقل هذه الأسماء، وتعبد بمقتضاها، حصلت له المراقبة. “مدارج السالكين” (2/65-66). وهذا المعنى جامع لما قيل في تعريف المراقبة، وإليه ترجع عباراتهم في بيان معناها.

  • وقيل: المراقبة مراعاة القلب لملاحظة الحق مع كل خطرة وخطوة.
  • وقيل: خلوص السر والعلانية لله. “مدارج السالكين” (2/66).

وفي حديث جبريل: أنه سأل النبي عن الإحسان، فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». “أخرجه البخاري” (50، 4777)، و*”مسلم”* (9)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

قال النووي:

هذا من جوامع الكلم التي أُوتِيَها ؛ لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة، وهو يعاين ربَّه سبحانه وتعالى، لم يترك شيئًا مما يقدِرُ عليه من الخضوع والخشوع وحُسْنِ السَّمْتِ واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها، إلا أتى به؛ فقال: اعبد الله في جميع أحوالك، كعبادتك في حال العيان. “قاله النووي تفسيراً وليس هو لفظ لحديث”.

فالمقصود الحث على الإخلاص في العبادة، ومراقبة العبد ربَّه تبارك وتعالى في إتمام الخشوع والخضوع وغير ذلك. وقال ابن القيم: ومقام المراقبة جامعٌ للمعرفة مع الخشية، فبحسبهما يصح مقام المراقبة. “مدارج السالكين” (1/137).

منزلة المراقبة وأثرها في أعمال القلوب

المراقبة من أجلِّ منازل السائرين إلى الله، وهي أساس أعمال القلوب كلها، بل هي عمودها الذي تقوم عليه.

قال ابن القيم:

“فالمراقبة أساس الأعمال القلبية كلها، وعمودها الذي قيامها به، ولقد جمع النبي أصول أعمال القلب وفروعها كلها في كلمة واحدة، وهي قوله في الإحسان: (أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ)؛ فتأمل كلَّ مقام من مقامات الدين، وكلَّ عمل من أعمال القلوب، كيف تجد هذا أصله ومنبعه”. “إعلام الموقعين” (6/112).

فقوله: «اعبد الله كأنك تراه» هذا مقام المراقبة، الجامع لمقامات الإسلام والإيمان والإحسان. ثم قال: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك»؛ فانتقل به عند العجز عن المقام الأول إلى المقام الثاني، وهو استحضار اطلاع الله عليه، ورؤيته له، ومشاهدته لعبده في الملأ والخلوة. “مدارج السالكين” (2/217).

وهذا يدل على أن للإحسان مرتبتين:

  1. المرتبة الأولى: «أن تعبد الله كأنك تراه»، وهي المرتبة العليا.
  2. المرتبة الثانية: فإن عجز العبد عن بلوغها، انتقل إلى المرتبة الثانية، وهي استحضار نظر الله إليه: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك».

ومن أهل العلم من جعل هاتين المرتبتين منزلة واحدة، وقالوا: إن النبي يفسر قوله: «أن تعبد الله كأنك تراه» ويبيّن معناه بقوله: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، تنبيهًا على ما يبعث العبد على المراقبة من استحضار نظر الله إليه في كل حال. وهذان قولان معروفان لأهل العلم في هذا الحديث، ولعل القول بأنها منزلة واحدة أقرب؛ لأن المقصود تحقيق المراقبة باستحضار نظر الله إلى العبد، إذ رؤية العبد لربه في الدنيا منتفية، والله أعلم.

فـ«مشهد الإحسان هو أصل أعمال القلوب كلها؛ فإنه يوجب الحياء والإجلال والتعظيم، والخشية والمحبة والإنابة والتوكل، والخضوع لله سبحانه والذل له، ويقطع الوسواس وحديث النفس، ويجمع القلب والهم على الله؛ فحظ العبد من القرب من الله على قدر حظه من مقام الإحسان، وبحسبه تتفاوت الصلاة؛ حتى يكون بين صلاة الرجلين من الفضل كما بين السماء والأرض، وقيامهما وركوعهما وسجودهما واحد». “رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه” (ص45).

  • وسُئل محمد بن المبارك: ما علامة المحبة لله؟ فقال: «المراقبة للمحبوب، والتحري لمرضاته». أخرجه ابن عساكر في “تاريخه” (55/224).
  • وسُئل إسماعيل بن نجيد: ما الذي لا بد للعبد منه؟ فقال: «ملازمة العبودية على السنة، ودوام المراقبة». أخرجه البيهقي في “الزهد” (472).

العبد متى لزم العبودية على السنة كان على الشريعة، ومتى داوم على المراقبة كان على الإخلاص؛ وبذلك يُحفظ -بإذن الله- من الخروج عن الصراط المستقيم. وقال بعضهم: «أفضل الطاعات: حفظ الأوقات؛ وهو ألا يطالع العبد غير حدّه، ولا يراقب غير ربّه، ولا يقارن غير وقته». “الرسالة القشيرية” (1/332).

فينبغي للعبد أن يُعنى بهذا مقام غاية العناية، ناظرًا إلى ربه، غير ملتفت إلى الخلق؛ فإن الاشتغال بمراقبة الناس يورث الغفلة، ويضعف الإخلاص، بخلاف من استحضر نظر الله إليه. والمشتغل بالتعليم والتوجيه والخطابة والدعوة أحوج من غيره إلى تحقيق هذا المعنى؛ لأن عمله ظاهر، والفتنة فيه أعظم.

وقد قال أبو حفص لأبي عثمان النيسابوري: «إذا جلست للناس، فكن واعظًا لقلبك ولنفسك، ولا يغرنك اجتماعهم عليك؛ فإنهم يراقبون ظاهرك، والله تعالى يراقب باطنك». “مدارج السالكين” (2/66). فإذا غفل العبد عن هذا المقام، انصرف قلبه إلى الناس، وفسد قصده، فوقع الخلل في أقواله وأعماله وأحواله، وربما التمس رضاهم ولو بسخط الله تعالى.

المراقبة في القرآن الكريم

بين دفَّتي الكتاب العزيز نصوصٌ جمَّة تحثُّ على المراقبة، وتغرسها في النفوس؛ تارةً بالتلميح، وتارةً بالتصريح:

فمن التلميح: تضافُرُ الأدلَّة على أنَّ الله مُحيطٌ بكل مخلوقاته، وأنَّه لطيفٌ خبير، وأنَّه بكل شيءٍ عليم، لا تخفى عليه خافيةٌ في الأرض ولا في السماء. وذلك من شأنه تنميةُ المراقبة في قلوب العباد؛ لذا كثيرًا ما يختم الله تعالى بها آياتِ الأحكام والمواعظ في كتابه؛ كقوله تعالى عقب ترغيبه في النفقة: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، وكقوله عقب ذكر أحكام المداينة: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢].

ومن التصريح: ما صرَّح فيه سبحانه باطِّلاعه على أحوال خلقه، وإحاطة علمه بما يصدر عنهم؛ كقوله تعالى:

  • ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥].
  • ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤]؛ أي: بعلمه وإحاطته.
  • ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤].
  • ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩].
  • ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
  • ﴿وَكَانَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢].
  • ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤].
  • ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]؛ في ذكر معيَّته الخاصة لموسى.
  • ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]؛ وهؤلاء الملائكة يكتبون كل ما يتكلم به الناس من خيرٍ أو شر.

المراقبة في السنة النبوية

جاءت السنة النبوية مؤكدةً لهذا المقام العظيم، ومن أعظم ما ورد فيه حديث الإحسان.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنَّه ليُكتَب قوله: أكلتُ، شربتُ، ذهبتُ، جئتُ، رأيتُ. أورده ابن أبي حاتم في “تفسيره” (10/3308).

ومما جاء في السُّنَّة: حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ أن رسول الله قال فيما يرويه عن ربِّه جل وعلا:

«إذا تحدَّث عبدي بأن يعمل حسنةً فأنا أكتبها له حسنة…» إلى أن قال: «قالت الملائكة: ربِّ، ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئةً – وهو أبصر به – فقال: ارقبوه؛ فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنةً؛ إنما تركها من جرَّاي» أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له.

والمعنى: أنَّه راقب الله، فلما لاحت له الشهوة والطمع، وكان قادرًا على مقارفة ذلك، تركه خوفًا من الله؛ فكتبت له حسنة. وفي حديث جبريل المشهور؛ أنَّه سأل النبي عن الإحسان، فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». وعن معاذ رضي الله عنه أنَّه قال: يا رسول الله، أوصني؟ قال: «اعبد الله كأنك تراه، وعدَّ نفسك في الموتى…». أخرجه ابن أبي شيبة (34325)، والطبراني في “الكبير” (20/175/374).

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: «سبعة يظلهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه»؛ وإذا تأملت هؤلاء السبعة، وجدت أن عامة أمرهم يرجع إلى المراقبة:

  • فالإمام لا يخاف الناس ولا يخاف محاسبتهم، وإنما يقوم بالعدل بينهم إذا كان مراقبًا لله تعالى.
  • والشاب الذي نشأ في عبادة الله إنما صرفه عن المعصية مع قوة الداعي إليها، وفوران الشهوة، ودفعه للطاعة: مراقبته لله تبارك وتعالى.
  • والرجل الذي دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله؛ لا شك أن الدافع لتركه متابعة هواه مع قوة الداعي: ناتج عن مراقبته لله تعالى.
  • وكذلك الذي تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه; فإن الذي دفعه إلى هذا الإخفاء الشديد: مراقبة الله تعالى.
  • وكذلك الذي ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه; فإن بكاءه خاليًا من خشية الله من مراقبته لربه سبحانه.

ومن الأدلة أيضًا: ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: «يتعاقبون فيكم ملائكةٌ بالليل وملائكةٌ بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم – وهو أعلم بهم -: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون» أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له.

وهذه النصوص من الكتاب والسنة تُبرز مكانة المراقبة، وتدل دلالة واضحة على عظيم شأنها في حياة المسلم؛ إذ بها يستقيم سلوكه، وتصلح سريرته، ويستحضر اطِّلاع الله عليه في كل أحواله. فمتى استقرَّ هذا المعنى في قلب العبد، أورثه ذلك تعظيمًا لأوامر الله، وحذرًا من نواهيه، وحرصًا على الإخلاص في القول والعمل؛ فيكون في حالٍ من اليقظة الدائمة، لا يغفل عن ربِّه، ولا يستهين بشيءٍ من أمره. وبذلك تتحقق للعبد حقيقة العبودية، ويبلغ مرتبة الإحسان، فيعبد الله على بصيرة، ويعيش في ظلِّ مراقبته، ظاهرًا وباطنًا، سرًّا وعلانية.

مَرَاتِبُ المراقبة

قسم بعضُ أهل العلم المراقبة باعتبار الحامل عليها والدافع إليها، فذكروا أنها تكون:

  • تارة بدافع الخوف من الله.
  • وتارة بدافع الحياء منه سبحانه.
  • وتارة بدافع المحبة.

فالخائف يراقب الله بالحذر وغلبة الفزع، والمستحيي يراقبه بشدة الانكسار والإخبات، وأما المحب فيراقبه بشدة السرور وغلبة النشاط وسخاء النفس، فيُقبل على العبادة بانشراح صدر ولذة قلب. انظر: “حلية الأولياء” (10/93-94).

وذكر الهروي تقسيمًا قريبًا من ذلك كما في “مدارج السالكين”، فبيّن أن المراقبة تتعلق بسير العبد إلى الله على الدوام مع امتلاء القلوب بتعظيمه سبحانه، بحيث يشغل هذا التعظيم القلب ويصرفه عن الالتفات إلى تعظيم المخلوقين تعظيمًا يزاحم تعظيم الخالق، ويكون العبد مع ذلك مجتهدًا في القرب منه، فكلما ازداد قربًا ازداد تعظيمًا وسرورًا وانشراحًا يبعثه على العمل، فيجد لذة في الطاعة، وتكون قرة عينه فيها؛ كما قال النبي : «وجعلت قرة عيني في الصلاة». وهذا النعيم الذي يجده في قلبه عند القيام بوظائف العبودية لا يدانيه نعيم الدنيا، حتى قال بعض العارفين: إنه لتمر بي أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا، إنهم لفي عيش طيب. “مجموع الفتاوى” (28/31).

وقد أشار ابن القيم إلى أن هذا السرور علامة صحة السير، فقال: ولا ريب أن هذا السرور يبعثه على دوام السير إلى الله عزوجل، وبذل الجهد في طلبه، وابتغاء مرضاته، ومن لم يجد هذا السرور، ولا شيئاً منه، فليتهم إيمانه وعمله؛ فإن للإيمان حلاوة، من لم يذقها، فليَرجِع، وليقتبس نوراً يجد به حلاوة الإيمان. “مدارج السالكين” (2/67). ونقل عن شيخه ابن تيمية قوله: إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحًا فاتهمه؛ فإن الرب شكور، ولا بد أن يثيب العامل على عمله بحلاوة يجدها في قلبه، وقوة انشراح، وقرة عين، فحيث لم يجد ذلك، فعمله مدخول. “المصدر السابق” (2/68).

ومما يدخل في حقيقة المراقبة أيضًا: مراقبة العبد لنظر الله إليه، بحيث يثمر ذلك صيانة الظاهر والباطن جميعًا؛ فيحفظ جوارحه عن المخالفات، ويصون قلبه عن الخواطر والإرادات التي تعارض أمر الله وخبره، فيتجرد من كل شهوة تزاحم أمره، ومن كل شبهة تعارض خبره، ومن كل محبة تزاحم محبته، وهذه هي حقيقة القلب السليم الذي لا ينجو إلا من أتى الله به. “المصدر السابق” (2/66-68).

وعلى هذا، فإن المراقبة تدفع العبد إلى ترك الاعتراض على أحكام الله الكونية والشرعية، فلا يعارض أسماءه وصفاته، ولا شرعه وأمره، ولا يتردد في تصديق أخباره، ولا يقدّم بين يدي الله ورسوله قولًا ولا رأيًا، كائنًا من كان؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1]، فلا يقدّم عقلًا مجردًا، ولا فلسفة، ولا سياسة، وإنما يكون الميزان عنده ما جاء به الوحي.

ومن تمام المراقبة: استقرار الإيمان في القلب بأن الله سبحانه متفرد بالأزلية، وأنه كان ولم يكن شيء غيره، وأن كل ما سواه حادث بتكوينه، وهذا يعمّق في القلب معنى الافتقار التام إليه، والانقطاع عما سواه. “مدارج السالكين” (2/72). ويترقى العبد بعد ذلك إلى مرتبة أدق، وهي تتبع مواقع رضا الله ومساخطه في كل حركة وسكون، فيجعل حركاته كلها دائرة مع ما يحبه الله ويرضاه، ويجتنب ما يسخطه. كما في الحديث القدسي: «وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِسُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا…». أخرجه البخاري (6502) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

وكلما ترقى العبد في المراقبة انتقل من مجرد الكف عن المعصية خوفًا، إلى تركها حياءً، ثم إلى تركها تعظيمًا ومحبة، حتى يصير عمله كله قائمًا على معنى الإحسان، وهو استحضار قرب الله واطلاعه، كما في قوله : «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».

وقد نبّه أهل العلم إلى تفاوت الناس في هذا المقام تفاوتًا عظيمًا، فبعضهم يغلب عليه الحياء من اطلاع الله عليه، فيكفّ عن المخالفات خشية الفضيحة، وبعضهم يستغرقه التعظيم والإجلال حتى يكاد ينصرف عن كثير من المباحات فضلًا عن المحظورات، وهذا التفاوت يُدرك بالتمثيل؛ فإن الإنسان قد يستحيي من نظر غيره فيحسن حاله حياءً، وقد يستغرقه تعظيم شخص عظيم فيترك ما هو فيه إجلالًا له، فهكذا تتفاوت مراتب المراقبة.

ومن آثار المراقبة: أن العبد يقف مع نفسه قبل العمل وبعده، فينظر قبل الفعل: أهو لله أم لهوى النفس؟ فإن كان لله أمضاه، وإن كان لغيره تركه واستحيا من الله، وينظر بعد العمل في تقصيره فيستغفر، وفي توفيق الله له فيحمده. ولهذا قال بعض السلف: ما من فعلة وإن صغرت إلا يُنشر لها ديوانان: لم؟ وكيف؟ أي: لم فعلت؟ وكيف فعلت؟ “إغاثة اللهفان” (1/42). وقال الحسن: رحم الله عبدًا وقف عند همّه؛ فإن أحدًا لا يعمل حتى يهم، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره أمسك. “شعب الإيمان” (9/411). وكانوا يتثبتون في الأعمال، فلا يُقدمون إلا على ما علموا أنه خالص لله.

والمراقبة تشمل جميع أحوال العبد؛ فهو لا يخرج عن طاعة أو معصية أو مباح، فإن كان في طاعة راقبها بالإخلاص وإتمامها، وإن كان في معصية راقب نفسه بالتوبة والندم، وإن كان في مباح راقب الله بالشكر ومعرفة النعمة، بل إن العبد في أكل وشربه لا يخلو من ذكر وفكر، فإن التفكر في نعم الله من أجلّ العبادات.

ومن أعظم ما تظهر فيه المراقبة: اللسان؛ إذ هو أسرع الجوارح حركة، وأشدها خطرًا، فينبغي للعبد أن يزن كلامه قبل أن يتكلم: ماذا يريد به؟ أيريد وجه الله أم حظًّا من حظوظ النفس؟ وهل يرضي الله أم لا؟ ولهذا قال بعض الصالحين: عالجت الصمت عما لا يعنيني عشرين سنة فلم أقدر عليه، وقيل: أشد الورع في اللسان. أخرجه ابن أبي الدنيا في “الورع” (93).

وبالجملة، فإن المراقبة ترجع إلى كمال علم العبد بربه، واستحضار اطلاعه عليه، وهي ثمرة الإيمان بأسماء الله وصفاته، ولا سيما علمه وإحاطته ورقابته، فمن تحقق بذلك أورثه دوام الحضور مع الله، وصيانة الظاهر والباطن، وتحقيق الإخلاص والمتابعة، وهو حقيقة مقام الإحسان الذي هو أعلى مراتب الدين.

ثمَرَاتُ المراقبة

إن المراقبة من أجلِّ أعمال القلوب، وأعظمها أثرًا في تهذيب النفس، وتقويم السلوك، وبناء العبودية الصادقة؛ إذ هي استحضار دائم لعلم الله بالعبد، واطلاعه عليه في السر والعلن، مما يجعل حياة العبد كلها قائمة على الحضور مع الله، والانقياد له ظاهرًا وباطنًا.

ومن أعظم ثمراتها:

  • التأدب مع الله تبارك وتعالى: فإذا استقرَّت المراقبة في قلب العبد، أورثته أدبًا رفيعًا مع الله في جميع أحواله؛ في حركاته وسكناته، في ظاهره وباطنه، في قوله وفعله، بل حتى في خواطره ونواياه؛ لأنه يعلم أن الله مطلع عليه، لا تخفى عليه خافية. وهذا الأدب يقوم على صيانة المعاملة من كل نقص، وصيانة القلب من الالتفات إلى غير الله، وصيانة الإرادة من التعلق بما لا يرضيه. “مدارج السالكين” (2/376) بتصرف.
  • إخلاص السر والعلانية: وقيل: إن المراعاة تورث المراقبة، والمراقبة تورث إخلاص السر والعلانية لله تعالى، حتى يصير العبد صادق التوجه، نقي القصد، لا يبتغي بعمله إلا وجه الله. “الرسالة القشيرية” (1/332) بتصرف.
  • ردع النفس عن المعاصي: ومن أعظم ما يوقظ القلب ويكسره: استحضار اطلاع الله عليه مع تعظيمه، فإن ذلك يردعه عن المعصية، ويدفعه إلى الطاعة، ويمنعه من التهاون في حق الله. “حلية الأولياء” (10/86) بتصرف.
  • صيانة الظاهر والباطن: والمراقبة تثمر صيانة الظاهر والباطن جميعًا؛ فصيانة الظاهر تكون بحفظ الجوارح عن المعاصي، وصيانة الباطن تكون بحفظ الخواطر والإرادات؛ فلا يبقى في القلب شبهة تعارض خبر الله، ولا إرادة تزاحم إرادته، ولا محبة تنافس محبته، وهذه هي حقيقة القلب السليم الذي لا ينجو إلا من أتى الله به، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89]. وقيل: من راقب الله في خواطره عصمه الله في جوارحه. “الرسالة القشيرية” (1/330). لأن الخاطر إذا صلح، صلح ما بعده، وإذا فسد فسد ما بعده.
  • الاستعانة على غض البصر: وسُئل بعضهم: بم يستعين العبد على غض بصره؟ فقال: بعلمه أن نظر الله إليه أسبق من نظره إلى ما حرم الله. “إحياء علوم الدين” (4/397).
  • حفظ العبد في العلن: وقد أجمع العارفون على أن مراقبة الله في السر سبب لحفظ العبد في العلن؛ فمن أصلح باطنه، أصلح الله ظاهره، ومن راقب الله في خلوته، حفظه الله في جلوته. “مدارج السالكين” (1/330) بتصرف.

وأصل هذا كله يرجع إلى الخواطر؛ فهي مبدأ الأقوال والأفعال، ومنها تنشأ الإرادات، ثم تتحول إلى أعمال، ثم إلى عادات؛ فصلاح هذه المراتب بصلاح الخواطر، وفسادها بفسادها. وصلاح الخاطر أن يكون متعلقًا بالله، صاعدًا إليه، متقلبًا في مرضاته، فيكون العبد بذلك في حفظ دائم من الله، وتوفيق مستمر منه، ونجاة من أسباب الضلال والشقاء. انظر: “الفوائد” (ص252-253).

ومن تأمل حال كثير من الناس، وجد أن المراقبة قد تظهر في بعض العبادات وتغيب في غيرها؛ كما في حال الصائم الذي يمتنع عن المفطرات مراقبة لله، ثم قد يطلق بصره أو سمعه في الحرام بعد الإفطار، وهذا من أعظم صور الخلل؛ إذ المطلوب أن تكون المراقبة شاملة لجميع الأحوال، مستمرة في كل الأوقات، حتى تستقيم حياة العبد كلها على طاعة الله. فالمراقبة هي أساس التربية الحقيقية، وهي أعظم من وازع القانون والرقابة البشرية؛ لأن القانون قد يُخالف في الخفاء، أما من راقب الله فإنه يستقيم في السر والعلانية، فلا يحتاج إلى رقيب من البشر.

كما أن صلاح الباطن لا بد أن يظهر أثره على الظاهر، فالإنسان لا يستطيع أن يخفي حقيقة نفسه طويلًا؛ فإن السرائر تُفضح، والأعمال الباطنة تظهر آثارها على الوجوه والأقوال. وقد قيل: ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله في فلتات لسانه وصفحات وجهه. “تاريخ بغداد“ (10/208) بتصرف. وقال أبو حازم: من أحسن فيما بينه وبين الله، أحسن الله فيما بينه وبين الناس، ومن أفسد ما بينه وبين الله، أفسد الله ما بينه وبين الناس. “حلية الأولياء” (3/239) بتصرف.

وبيّن ابن الجوزي أن العبد قد يخفي الذنب، فيظهره الله عليه ولو بعد حين، وقد يخفي الطاعة، فتظهر عليه آثارها، ليعلم أن الله لا يضيع عملًا، وأن السرائر لها آثار لا تخفى. انظر: “صيد الخاطر” (ص67-68). كما أن للخلوة أثرًا عظيمًا يظهر في الجلوة؛ فمن راقب الله في خلوته، فاحتشم منه، وترك ما يشتهي لأجله، ظهرت عليه آثار الطاعة، وأحبه الناس من غير سبب ظاهر، ومن تجرأ على المعصية في خلوته، ظهرت عليه آثارها في القلوب، فتمقته النفوس وإن لم تعرف السبب. انظر: “صيد الخاطر” (ص186).

ومن ثمرات المراقبة كذلك:

  • دخول الجنة: فإن من خاف مقام ربه، وراقبه في السر والعلانية، وأصلح ظاهره وباطنه، كان من أهل الجنة، قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46]، وقال سبحانه: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [ق: 33]. وقد سُئل بعض المتقدمين: بم ينال العبد الجنة؟ فقال: بخمس: استقامة ليس فيها روغان، واجتهاد ليس معه سهو، ومراقبة لله في السر والعلانية، وانتظار الموت بالتأهُّب له، ومحاسبة نفسك قبل أن تحاسب. “إحياء علوم الدين” (4/397-398).
  • السعادة وانشراح الصدر: فإن القلب خُلق ليكون متعلقًا بالله، فإذا تعلق به استراح، وإذا تعلق بغيره تعب واضطرب، ولهذا قيل: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. انظر: “الوابل الصيب” (ص109).
  • عِظَم الأجر والثواب: ومن أوضح ذلك الصيام، حيث قال الله في الحديث القدسي: «الصوم لي وأنا أجزي به» (البخاري ومسلم)، لأنه قائم على المراقبة الخفية التي لا يطلع عليها إلا الله.
  • أصل لجميع أعمال القلوب: كالحياء، والخشوع، والمحبة، والخوف، والرجاء، والتوكل، إذ كلما قويت المراقبة، قويت هذه الأعمال، وثبتت في القلب. انظر: “إعلام الموقعين” (6/111-112).
  • صحة الفراسة ونور البصيرة: فكلما صفا القلب بالمراقبة والتقوى، أصبح أقدر على التمييز بين الحق والباطل. انظر: “إغاثة اللهفان” (1/105).
  • حفظ الأوقات: فإن من علم أن الله يراه، لم يرض أن يضيع لحظة من عمره في غير طاعة، وقد قيل: إن الإنسان هو أيامه، فإذا ذهب يوم ذهب بعضه. “الزهد” (ص278). وقال الجنيد: من تحقق في المراقبة، خاف على فوات لحظة من ربّه لا غير. “مدارج السالكين” (2/65).

وهكذا يتبين أن المراقبة ليست خلقًا عابرًا، ولا حالًا مؤقتًا، بل هي أصل جامع لكل خير، وأساس لكل صلاح، وباب عظيم من أبواب السير إلى الله، بها تصلح القلوب، وتستقيم الجوارح، ويعلو شأن العبد في الدنيا والآخرة.

من أخبار أهل المراقبة

  1. قال عروة بن الزبير: «خَطَبْتُ إلى عبد الله بن عمر ابنته ونحن في الطواف، فسكت ولم يُجِبْني بكلمة، فقلتُ: لو رضي لأجابني، والله لا أراجعه فيها بكلمة أبدًا. فقُدِّر له أن صدر إلى المدينة قبلي، ثم قدمتُ، فدخلت مسجد رسول الله ، فسلَّمتُ عليه، وأدَّيتُ إليه من حقه ما هو أهله، فرحَّب بي وقال: متى قدمت؟ فقلت: هذا حين قدومي. فقال: أكنتَ ذكرتَ لي سودة بنت عبد الله ونحن في الطواف نتخيَّل رسول الله بين أعيننا، وكنتَ قادرًا أن تلقاني في غير ذلك الموطن؟ فقلتُ: كان أمرًا قُدِّر. فقال: فما رأيك اليوم؟ قلتُ: أحرصُ ما كنتُ عليه قط. فدعا ابنيه سالمًا وعبد الله فزوَّجني». أخرجه أبو نعيم في “الحلية” (1/309). فقد كانت مراقبةُ الله مستوليةً على قلبه؛ حتى إنه كره أن يُشغَل في ذلك المقام العظيم بشيء من أمور الدنيا.
  2. وقال زيد بن أسلم: «مرَّ ابن عمر براعي غنم، فقال: يا راعي الغنم، هل من جزرة؟ فقال الراعي: ليس هاهنا ربُّها. فقال ابن عمر: تقول: أكلها الذئب. فرفع الراعي رأسه إلى السماء وقال: فأين الله؟ فاشترى ابن عمر الراعي والغنم، فأعتقه وأعطاه الغنم». أخرجه أبو داود في “الزهد” (306)، والطبراني في “الكبير” (13054)، واللفظ له. وهذه الكلمة العظيمة خرجت من قلبٍ امتلأ بمراقبة الله تعالى، فعظُم الله في قلبه، فاستحيا أن يخونه في غيبته.
  3. ونظر عبادة بن الصامت إلى الصنابحي -وهو من أئمة التابعين– فقال: «من سرَّه أن ينظر إلى رجلٍ كأنما رُقِيَ به فوق سبع سماوات، فعَمِلَ على ما رأى؛ فلينظر إلى هذا». أخرجه ابن المبارك في “الزهد” (857). يعني: أن الصنابحيَّ كان شديد المراقبة لله تعالى، حاضر القلب معه سبحانه، كأنه يشاهد الآخرة رأي عين.
  4. وذُكر عند الإمام أحمد -لما كان في مرض الموت- عن طاووس أنه كان يكره الأنين، فلم يَئِنَّ الإمام أحمد حتى مات. أخرجه الدينوري في “المجالسة” (253). وهكذا يبلغ أهل المراقبة في مجاهدة نفوسهم مبلغًا عظيمًا؛ حتى في أشد أحوال الضعف والألم.
  5. وقال ابن دقيق العيد: «ما تكلمتُ كلمة، ولا فعلتُ فعلًا، إلا وأعددتُ له جوابًا بين يدي الله». “طبقات الشافعية الكبرى” (9/212). وهذا من كمال مراقبتهم لله تعالى؛ فإن العبد إذا استحضر السؤال بين يدي الله، حاسب نفسه قبل قوله وعمله.
  6. وقيل للجنيد: قل: لا إله إلا الله. فقال: «ما نسيتُه فأذكره»، وقال:حاضرٌ في القلبِ يَعْمُرُهُ … لستُ أنساهُ فأذكرُهُ فهو مولايَ ومُعتَمَدي … ونصيبي منه أوفرُهُ “الرسالة القشيرية” (2/472). وهذه حالُ من امتلأ قلبُه بذكر الله ومراقبته; فصار الذكرُ له حياةً لا ينفك عنها.
  7. وقال الإمام البخاري: «ما اغتبتُ أحدًا قط منذ علمتُ أن الغيبة تضر أهلها». “سير أعلام النبلاء” (12/441). وكان يقول: «إني لأرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدًا». أخرجه الخطيب في “تاريخ بغداد” (2/13). ولذلك ترى في كلامه على الرجال تحرِّيًا بالغًا، وتورعًا شديدًا، مع إنصافٍ وعدلٍ رحمه الله تعالى.
  8. وكان بعض السلف يقول: «لا تنظر إلى صِغَر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت». فإن أهل المراقبة لا يقفون مع صورة الذنب وصغره، وإنما ينظرون إلى جلال الله وعظمته، فتَصغُر الشهوات في أعينهم، وتعظم مراقبة الله في قلوبهم.
  9. وقال بعض العارفين: «مَن أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن راقب الله في خواطره عصمه الله في حركات جوارحه». وهذا من أعظم ثمرات المراقبة؛ فإن صلاح الباطن أصلٌ لصلاح الظاهر، وإذا عمر القلب بمراقبة الله استقامت الجوارح بطاعة الله.
  10. وكانوا يقولون: «خفِ الله على قدر قدرته عليك، واستحِ منه على قدر قربه منك». فإن العبد إذا أيقن أن الله مطلعٌ عليه، لا تخفى عليه خافية، أورثه ذلك حياءً وخشيةً وانكسارًا بين يديه سبحانه.

وبالجملة؛ فالمراقبةُ من أعظم منازل السائرين، وأجلِّ درجات السالكين، بها يتم إيمان العبد، ولا يصل إلى مقام الإحسان إلا بها، وهي ثمرة العلم باطلاع الله تعالى على السرائر، وعلمه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور. فمتى استقرت المراقبة في القلب؛ صلحت السريرة، وزكت الأعمال، واستقام العبد على طاعة الله ظاهرًا وباطنًا، وكان من أهل الإحسان الذين يعبدون الله كأنهم يرونه، فإن لم يكونوا يرونه فإنه سبحانه يراهم.


اكتشاف المزيد من ماسنجر المسلم

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من ماسنجر المسلم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading