مراجعة كتاب بئر طاليس .. في العلاقة الملتبسة بين الفلسفة واليومي لمحمد شوقي الزين
نادراً ما يبدو اليومي موضوعاً جديراً بالسؤال، لا لأنه خال من المعنى، بل لأنه شديد القرب إلى حد يحتجب معه عن النظر. فنحن نعيش داخل العادات والأمكنة واللغة والعمل والوقت والعلاقات قبل أن نفكر فيها، ونكرر من الأفعال ما يكسب سلطته من الألفة حتى يبدو طبيعياً أو بديهياً. غير أن ما نسميه «الحياة اليومية» ليس فراغاً بين الأحداث الكبرى، بل المجال الذي تتشكل فيه علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين وبالعالم؛ ففيه تتكون العادة، ويُستعمل الزمن، وتُختبر اللغة، وتعمل المؤسسات والاقتصاد، وتتشكل صور النجاح والحاجة والقيمة.
ومن هنا تنفتح أسئلة تتجاوز ظاهر اليومي إلى بنيته الأعمق؛ كيف نفكر فيما نعيشه دون أن نحوله إلى مفهوم يطمس تعدده؟ وكيف نميز بين العادي والاعتيادي، وبين ما يتكرر وما يفقد اختلافه؟ وكيف تعيد اللغة والمدينة والعمل والاستهلاك تشكيل وعينا وممارساتنا، وما الذي يبقى لنا من قدرة على الفعل داخل بنى لم نختر شروطها؟ ثم كيف نستعيد الحاضر من قبضة الألفة، فنرى العالم لا كموضوع قائم أمامنا، بل كخبرة نُشكَّل داخلها بقدر ما نعيد تشكيلها؟
يأتي كتاب «بئر طاليس: في العلاقة الملتبسة بين الفلسفة واليومي» الصادر عن دار الروافد الثقافية ومن تأليف الاكاديمي الجزائري محمد شوقي الزين في هذا السياق ساعياً إلى إعادة الفلسفة إلى تفاصيل الحياة المألوفة، لا لتمجيدها، بل لكشف ما تحجبه الألفة فيها. ومن خلال موضوعات تمتد من العادة والانتباه واللغة إلى العمل والزمن والمشي، يبني الكتاب فكرة مركزية يمكن تكثيفها في أن اليومي ليس زمناً خالياً من الأحداث المهمة، بل هو المجال الذي تتشكل فيه الحياة نفسها؛ ومن ثم يغدو التفلسف تدريباً على إعادة النظر في المعيش، ومحايثة شروطه، ومعايشته بوعي أكثر يقظة.
بئر طاليس .. اليومي بين سلطة الاعتياد وإمكان الفعل
يفتتح الكتاب علاقته باليومي بمشهد يكاد يختصر تاريخاً طويلاً من التوتر داخل الفلسفة؛ يتمثل هذا المشهد في رفع طاليس رأسه نحو السماء باحثاً في النجوم، فيغفل عما تحت قدميه ويسقط في البئر. ليست المفارقة التي يقدمها الكتاب في سقوط الفيلسوف بقدر ما هي عرض لقدرة العقل على ملاحقة أبعد الموجودات، مع عجزه عن رؤية ما يجاوره ويلتصق بحياته. صورة البئر هنا تبيان للمسافة التي قد تفصل الفكر عن العالم الذي يفكر فيه، ولثنائيات قديمة حكمت علاقة الفلسفة باليومي: المجرد والمحسوس، النظري والعملي، السماء والأرض. فإذا كانت الفلسفة قد رأت طويلاً في الارتفاع نحو الكليات ضرباً من السمو، فقد بدا اليومي في نظرها مجالاً للتكرار والعادة والأفعال الصغيرة التي لا تستحق السؤال ولا التفكير. يحاول الكتاب قلب هذه العلاقة إذ يؤكد على عدم افتقار اليومي إلى المعنى، وإنما قد يحجبه فرط الاعتياد عليه.
الاقتراب من اليومي لا يعني سهولة القبض عليه، فهو يتكرر من غير أن يتطابق، ويتحول بينما نحاول وصفه، كما يظل مفتوحاً على المصادفة والمباغتة والانقطاع. ولهذا لا يمكن التعامل معه بوصفه شيئاً ساكناً تُرسم حدوده مرة واحدة؛ فكل محاولة لتجميده داخل نموذج مكتمل تترك شيئاً منه خارج النظرية. ومن هنا يبرز سؤال الكتاب المركزي؛ كيف يمكن للفلسفة أن تفكر في اليومي دون أن تسلبه طبيعته اليومية؟ والإجابة بطبيعة الحال لا تستلزم بناء نظرية أشمل، بل تغيير طريقة النظر نفسها، بحيث يصبح التفكير أكثر حساسية واستشعاراً لما يجري داخل المألوف وأقل اندفاعاً إلى اختزاله في قوالب سابقة.
يقتضي ذلك أن تقترب الفلسفة من الواقع بقدر أكبر من الانتباه والتريث وتعليق الأحكام، وأن تمنح الأشياء البسيطة فرصة لأن تظهر من جديد بعد أن حجبتها الألفة. ويعبّر الكتاب عن هذا التحول من خلال المقابلة بين المنظار الذي يرفع النظر نحو البعيد، والمجهر الذي يخفضه نحو القريب؛ ليكشف ما تمر عليه العين كل يوم من دون أن تراه. وليس المقصود تفضيل القرب على التجريد، وإنما تربية نظر قادر على الحركة بينهما؛ فالفلسفة تحتاج إلى أن ترتفع عن التجربة كي تفهمها، لكنها تحتاج أيضاً إلى العودة إليها كي تختبر مفاهيمها وتعيد رؤية ما كان يبدو بديهياً.
ومن هنا تتغير وظيفة النظرية نفسها كما يؤكد الكتاب في أكثر من موضع. فليست -أي النظرية- مهمتها أن تجعل الواقع نسخة من نموذج سابق، ولا أن تُكره الوقائع على الانضواء تحت مفاهيم جاهزة، وإنما أن تمنحنا قدرة أوضح على رؤيتها. النظرية التي تنقطع عن الحياة قد تتحول إلى بناء مكتمل لا يسكنه أحد، كما أن الحياة التي لا تنفتح على التفكير قد تستسلم للتكرار من غير مساءلة. لذلك تقوم العلاقة بين الفلسفة واليومي على حركة مزدوجة؛ ترتفع فيها الفلسفة بالتجربة لأجل الفهم، ثم تُعمل هذا الفهم في التجربة كي تعيد رؤيتها وتوجيهها. وبهذا لا يكون التفلسف خروجاً من الحياة، بل طريقة أخرى للدخول فيها.
عند هذه النقطة يعيد الكتاب التأكيد على تعريف الفلسفة بوصفها فناً في العيش وصناعةً للذات، لا مجرد مخزون من المذاهب والمقولات أو نشاطاً ذهنياً لإنتاج معرفة جديدة. فقيمة التفكير لا تنحصر فقط بما يولده من أفكار، بل بما يحدثه في الإنسان ذاته؛ إذ يظل هناك فرق بين معرفة الحكمة واتخاذها شكلاً في السلوك، وبين الحديث عن الفضيلة وصيرورتها هيئة للعيش.
تظهر هذه الرؤية بوضوح عن طريق ما يعرضه الكتاب عن تعلم العيش، والحوار، والتأمل في الموت، والقراءة؛ وهي ممارسات لا تنفصل عن الحياة اليومية، بل تعيد تشكيلها من داخلها. يبدأ تعلم العيش من التمييز بين مجرد استمرار الحياة وبين الوعي بحضورها؛ إذ قد تتكرر أيام الإنسان فيما هو غائب عما يعيشه. وما يوقظ هذا الحضور هو الانتباه؛ أي استعادة اللحظة من ندم الماضي وقلق المستقبل، ورؤية ما تحجبه العادة. وعلى المنوال نفسه، يأتي التأمل في الموت تذكيراً بحقيقة التناهي البشري؛ إذ يعيد وعي الإنسان بمحدودية زمنه ترتيب منظومة القيم والأولويات، ويضع تضخم الذات ونزوعها إلى الامتلاك والإحاطة والمعرفة النهائية ضمن حدودها الممكنة. كما يفترض أن يدفع هذا الوعي إلى التمسك بالطريق المستقيم، واستدامة سؤال الثبات والتوفيق، بوصفهما حاجة ملازمة لإنسان يدرك هشاشة وجوده ومحدودية قدرته ومآله المحتوم.
ويأخذ الحوار والقراءة المعنى نفسه بوصفهما اشتغالاً على الذات. فالحوار لا يقدمه الكتاب باعتباره وسيلة للانتصار على الآخر، بل امتحاناً للذات في حضوره؛ إذ يقتضي الإنصات وتعليق اليقين بما يسمح لكلام الآخر بأن يحدث أثراً. وكذلك تكشف القراءة الفارق بين اكتساب المعرفة والتحول بها؛ فالقراءة التي تنتهي عند جمع المعلومات قد تزيد ما يعرفه الإنسان من غير أن تغير طريقة تفكيره أو عيشه، بينما تصبح فعلاً فلسفياً حين تعيد فحص مسلّماته وعاداته وأحكامه. ومن هنا تبرز قيمة القراءة المتأنية التي تسمح للفكرة بأن تستقر وتعيد ترتيب النظر.
عالم الحياة والمألوف
تزداد صعوبة التفكير في اليومي لأن أشد الأشياء قرباً قد تكون أكثرها احتجاباً؛ فنحن نعيش داخل اليومي قبل أن يتحول إلى موضوع للسؤال، ونسكن عاداته وأمكنته ولغته وعلاقاته قبل أن نفكر فيها. ومن هنا يستعيد الكتاب مفهوم عالم الحياة؛ ذلك العالم السابق على التقسيمات العلمية والتجريدات النظرية، حيث تظهر الأشياء أولاً بوصفها جزءاً من تجربة معيشة لا مجرد موضوعات للمعرفة. فالإنسان لا يوجد ابتداءً أمام عالم محايد، بل يكون منخرطاً فيه؛ يستعمل الأشياء ويخاف ويرغب ويحكم قبل أن يقيس ويصنف. والعلم ينتزع من هذا العالم جوانب محددة ويعيد بناءها بلغة أكثر ضبطاً، وتظهر الخطورة حين تتحول هذه الصورة المجردة إلى الصورة الوحيدة للواقع، فتُهمَل أبعاد من المعيش لا يمكن اختزالها فيما يقبل القياس؛ كالألفة والوحشة والانتظار والطمأنينة والاغتراب، وهي ليست زوائد على الواقع بقدر ما هي الكيفيات التي يصبح بها عالماً بالنسبة إلينا.
ويتصل بذلك مفهوم الأفق؛ إذ لا يظهر شيء منفصلاً عن المجال الذي يمنحه معناه. بهذا المعنى، لا تبقى المنازل مجرد جدران، ولا الطرق امتداداً هندسياً، ولا المدينة جزءاً من خريطة؛ لأن هذه المحسوسات تُدرك داخل شبكة من الاستعمالات والذكريات والتوقعات والعلاقات. ولهذا يظل إدراكنا جزئياً وموقعياً؛ فلا نستطيع استنفاد الشيء من جميع جهاته، كما لا نستطيع الوقوف خارج العالم للإحاطة به. والأهم أن هذا العالم ليس ملكاً لذات منفردة، بل فضاءً مشتركاً تتقاطع فيه وجهات النظر؛ فنختلف في إدراك المكان أو الحدث، لكن اختلافنا نفسه يفترض أرضية مشتركة تجعل التواصل ممكناً. ومن هنا تصبح اليقظة خروجاً من انغلاق الذات داخل منظورها الخاص إلى وعي بأنها تعيش بين آخرين يشاركونها العالم ويعيدون تشكيل معناه.
ويتصل بذلك ما يطرحه كتاب (بئر طاليس) عن الحكم وتعليقه. فكثير مما نعيشه لا تحدده الواقعة وحدها، وإنما الأحكام والتأويلات التي نلحقها بها؛ وهو ما يترك بين الحدث والاستجابة له مساحة يمكن للإنسان أن يراجع فيها تقديره لما يحدث. ولا يعني ذلك إنكار الألم أو الخطر، بل التمييز بين الشيء وما نضيفه إليه من معنى. ومن هنا يصبح تعليق الحكم محاولة لتأخير التصنيف قليلاً؛ بحيث يتقدم النظر على الحسم، والإصغاء على الاختزال، ويُترك للواقع فرصة الظهور خارج ما أعددنا له سلفاً. وبهذا يغدو الانتباه الفلسفي قدرة على استعادة الإدهاش من المألوف دون تحويله إلى استثناء مصطنع.
وبالتالي؛ لا يعود اليومي مجرد ما يتكرر، بل ما يتجدد داخل التكرار؛ ولا يكون زمناً ساكناً بين الأحداث الكبرى، وإنما النسيج الذي تتشكل فيه التحولات والانقطاعات نفسها. وتكمن صعوبة رؤيته في أننا لا نقف خارجه حتى نراقبه، بل نعيش في داخله وتتغير علاقتنا به ونحن نعيشه. لذلك لا يحتاج اليومي إلى معنى يضاف إليه من الخارج بقدر ما يحتاج إلى نظر قادر على التقاط الفروق التي تمر داخل الاستمرار، والفرص التي تنشأ في الانقطاع، وما يمكن أن يتغير في الإنسان حين يرى ما اعتاد أن يمر به دون مساءلة أو إمعان نظر.
فخ الاعتياد وتجليات الزمن
غير أن استعادة هذا النظر تصطدم أولاً بالاعتياد؛ فالتكرار يكسو الأشياء بطبقة من البداهة تجعلنا نتوقف عن رؤيتها. ومن هنا يميز الكتاب بين العادي والاعتيادي؛ فالعادي ليس بالضرورة تافهاً أو خالياً من القيمة، وإنما هو ما ينتمي إلى نسيج الحياة المتكرر، أما الاعتياد فهو الكيفية التي يفقد بها هذا العادي قدرته على إثارة الانتباه والسؤال. وعليه، لا تتمثل مهمة التفكير في البحث دائماً عن الاستثنائي، بل في استعادة القدرة على رؤية ما حجبه التكرار وأفقده حضوره في وعينا؛ فالأشياء لا تفقد قيمتها لأنها مألوفة، وإنما لأن الاعتياد يعطل إمكان سؤالها. ومن ثم لا يستحق اليومي التفكير لأنه غريب أو استثنائي، بل لأن أكثر ما يستحق السؤال قد يكون كامناً فيما اعتدنا أن نراه واضحاً ومحسوماً.
في ظل هذا النقاش، يمضي الكتاب في التمييز بين ما يبدو عادياً وما ينطوي عليه من إمكان للتجدد؛ فـالمعجزة لا تقع دائماً خارج اليومي، بل قد تكمن في استعادة القدرة على رؤيته. ولا يعني ذلك إضفاء بطولة مصطنعة على الأفعال الصغيرة، وإنما التحرر من وهم أن التكرار يعني التطابق. فما يعود لا يعود بالشكل نفسه تماماً؛ تتكرر الأمكنة والأفعال والعلاقات، لكن السياقات تتغير، كما يتغير الإنسان الذي يعيشها. وقد نمر بالمكان نفسه أو نقرأ النص ذاته فنجد فيهما ما لم نره من قبل، لأن التكرار نفسه يحمل فروقاً صغيرة تفتح داخله إمكاناً للتجدد.
ومن هنا يبدو اليومي قائماً على تداخل الاستمرار والانقطاع. فانتظام العادة لا يمنع المصادفة أو اللقاء أو الخسارة أو الاكتشاف من أن تقطع مساره وتعيد ترتيب معناه؛ بل إن هذه الانقطاعات جزء من بنيته نفسها. وينعكس ذلك على فهم الزمن؛ فالحاضر ليس نقطة منفصلة بين ماض انتهى ومستقبل لم يأت، وإنما الموضع الذي يحضر فيه الماضي عبر الذاكرة والعادة، ويطل منه المستقبل عبر التوقع والرجاء والخوف. لذلك لا يعني الانتباه إلى الحاضر إلغاء ما سبقه أو تجاهل ما سيأتي، بل إدراك أن كليهما -الماضي والمستقبل- لا يُعاش إلا من داخله، وأن منح الماضي أو المستقبل سلطة مفرطة قد يحجب ما يقع الآن.
اللغة والفعل
بعد أن يبين الكتاب أن اليومي يختفي غالباً بسبب فرط قربه، ينتقل إلى سؤال آخر يتعلق بكيفية تشكل معناه؛ فالإنسان لا يعيش العالم أولاً ثم يصفه باللغة لاحقاً، بل يتكون اليومي نفسه عبر شبكة من الأقوال والأفعال والاستعمالات. ومن هنا لا تُفهم اللغة بوصفها مجموعة ألفاظ تشير إلى أشياء ثابتة، وإنما باعتبارها ممارسة تقع داخل سياق؛ فمعنى الكلمة يتحدد -في أحد جوانبه- بما تؤديه، وبالمقام الذي ترد فيه، وبعلاقتها بما يسبقها ويلحقها. لذلك ينتقل السؤال من معنى الكلمة في ذاتها؟ إلى البحث عن كيفية استعمال الناس لها، ومن ثم الفعل الموالي للاستعمال؟ فاللغة تجربة معيشة قبل أن تكون مادة صالحة للتحليل، وتحمل داخل استعمالاتها عادات التجمع البشري وطرائق تفاعله ونظره للأشياء.
ومن هنا يحذر الكتاب من انتزاع الألفاظ من سياقاتها وتحويلها إلى مفاهيم صلبة يُبحث لها عن جوهر واحد. فكثير من الظواهر لا يجمعها تعريف جامع بقدر ما تربط بينها تشابهات وتقاطعـات جزئية، ويؤدي الإصرار على اختزالها في معنى ثابت إلى فقدان تنوع استعمالاتها. يدعو الكتاب إلى تأخير التفكير لصالح النظر والتأمل في بعض السياقات، وهي ليست دعوة إلى تعطيل التفكير، وإنما إلى تأخير التصنيف حتى تظهر الظاهرة في تعددها الفعلي. فالفلسفة هنا لا تبدأ من فرض المفهوم على الواقع، بل من وصف ما يحدث، ومن ثم الانتباه إلى اختلاف الاستعمال قبل الانتقال إلى تفسير الظاهرة. إذ قد يتغير المعنى باختلاف الزاوية التي يُنظر منها دون أن يعني ذلك بالضرورة زيف النظر. فالإنسان لا ينظر إلى الواقع من موقع محايد، وإنما يراه من خلال زاويته وتأويلاته، غير أن وعيه بهذه المحددات يتيح له فهماً أكثر دقة لما يوجّه نظره ويؤثر في إدراكه وفهمه.
المقاومة اليومية الصامتة
ينقل كتاب (بئر طاليس) فكرة الاستعمال من اللغة إلى الحياة الاجتماعية؛ فكما لا تستنفد قواعد اللغة ما يمكن قوله، لا تستنفد المؤسسات والقوانين والتخطيطات ما يمكن فعله داخلها. فهناك دائماً مسافة بين تصميم النظام وطريقة استعماله، أو أدائه. ومن هنا يكتسب التمييز بين الاستراتيجية والتكتيك أهميته؛ فالاستراتيجية تصدر عن موقع يمتلك قدرة على التنظيم والتخطيط وتحديد المجال، بينما يتحرك التكتيك من داخل هذا المجال نفسه، مستفيداً مما يتيحه من فرص وثغرات وتحولات لم تدخل في الحساب الأصلي. وبين التصميم والاستعمال تظهر مساحة لا يكون فيها الإنسان مجرد متلقٍ للنظام، بل فاعلاً يعيد توظيفه ويعدل بعض آثاره أثناء الممارسة.
لا يقدم الكتاب اليومي بوصفه فضاءً للمقاومة وحدها، ولا مجالاً للخضوع وحده؛ فهو يتحرك بين الامتثال والانزياح، وبين إعادة إنتاج المألوف وإعادة تشكيله. وقد تتحول الممارسة الخارجة عن القاعدة، مع التكرار، إلى قاعدة جديدة، كما قد تستبطن الأفعال اليومية معايير اجتماعية من غير وعي واضح بها. لذلك لا يستقر اليومي عند أحد الطرفين؛ بل تتجاور فيه آليات التطبيع والابتكار، ويتحول باستمرار ما كان غريباً إلى مألوف، وما كان مألوفاً إلى موضع للسؤال.
ويكشف ذلك عن منزلة الفعل نفسه؛ فالإنسان لا يضع في كل موقف نظرية ثم يتصرف وفقها، بل يعتمد في جانب واسع من حياته على معرفة عملية صامتة تتجسد في الأداء؛ في قراءة الموقف، وتعديل السلوك، ومعرفة وقت التقدم أو التراجع، أو التقاط ما تتيحه اللحظة. وهذه المعرفة لا تفقد قيمتها لأنها لا تصاغ دائماً في مفاهيم؛ بل يكشف اليومي أن الفعل قد يسبق تفسيره، وأن جانباً من الذكاء الإنساني يظهر في القدرة على التصرف قبل أن يصبح ما نفعله موضوعاً للتفكير.
وفي المقابل، يظل اليومي أحد أكثر المواقع التي تعمل فيها السلطة الحديثة. إذ لا تظهر السيطرة فقط في القوانين والقرارات الكبرى، وإنما حين تتحول أنماط العمل والاستهلاك والتنقل والترفيه وصور النجاح إلى عادات تبدو طبيعية. ويتشابك الإنتاج بالاستهلاك حتى يعمل الإنسان ليتمكن من امتلاك المزيد، ثم تصبح الرغبة في المزيد سبباً لمزيد من العمل. وبهذا يمكن للاقتصاد أن ينفذ إلى الحياة من خلال الزمن والرغبات والحاجات؛ فيغدو اليومي الموضع الذي تتحول فيه البنى الكبرى إلى إيقاعات عيش وعادات وأذواق.
ومع ذلك لا يغلق هذا التنظيم إمكان الفعل؛ لأن الاستعمال الفعلي يظل أوسع من الخطة. فالشارع -على سبيل المثال- قد يكتسب وظيفة لم يضعها المصمم، والمنتج قد يُستخدم على نحو لم يقصده منتجه، والقواعد نفسها قد تفتح مساحات لم تتوقعها المؤسسة. ومن هنا يعيد الكتاب الاعتبار إلى الفعل بوصفه حركة تتشكل وسط الظروف، تعدل مسارها وتستجيب لما يظهر أثناءها. فلا يتغير اليومي فقط عبر القطائع الكبرى، بل أيضاً عبر الطريقة التي تُمارس بها الأفعال المتكررة؛ إذ قد تؤدي الفروق الصغيرة في الاستعمال، حين تتراكم، إلى إعادة تشكيل المجال نفسه.
ولهذا يصبح التغيير أعمق من مجرد استبدال مؤسسة أو قانون أو نخبة؛ فقد تتغير البنية العلوية بينما تستمر أنماط العيش والعلاقات القديمة في إنتاج نفسها. والتحول الذي يصل إلى اليومي هو الذي يمس طرائق العمل والاستهلاك والتواصل وتنظيم الوقت والنظر إلى الذات والآخر. وحتى التغيرات الكبرى لا تبدأ من فراغ ولا تمحو ما سبقها دفعة واحدة، بل تعيد ترتيب عناصر موروثة وتفتح بينها علاقات جديدة. وبذلك يُختبر أثر أي تحول في التفاصيل التي يعيشها الناس فعلياً؛ فهناك يتبين إن كان قد أعاد تشكيل الحياة، أم ظل تغييراً في الخطاب والبنية دون أن يبلغ الممارسة اليومية.
ومن هذه الزاوية يكتسب اليومي بعداً سياسياً يتجاوز السياسة بمعناها المباشر؛ فكيفية الحركة في المدينة، وتنظيم الوقت، واستعمال الأشياء، والعمل والشراء والقراءة والتواصل، كلها ممارسات تجري داخل نظم أوسع من الفرد من غير أن تُختزل فيها. وفي هذه المسافة تظهر المناورة والابتكار والتكيف وأشكال المقاومة الصغيرة. ولهذا يهتم الكتاب بما يمكن وصفه بـالفنون العملية للحياة اليومية: مثل حسن التصرف، واستغلال الفرصة، وتغيير المسار، وإعادة استعمال المتاح. وهي معرفة لا تصاغ دائماً في نظرية، لكنها تكشف عن ذكاء عملي يعرف كيف يتصرف داخل عالم لم يصنع شروطه كاملة، من غير أن يكون محكوماً بها بالكامل.
فلسفة المشي وفن العيش
يفكك كتاب (بئر طاليس) التصور الذي يختزل الزمن في خط متجانس يقاس بالساعات والأيام، ويعيد التمييز بين الزمان الممتد، والزمن الكرونولوجي القابل للعد، والكايـروس؛ أي اللحظة الملائمة للفعل. وتكمن أهمية هذا الأخير -كما يشير الكتاب- في أنه ينقل الزمن من كونه وعاءً خارجياً تجري داخله الأفعال إلى عنصر يدخل في صلاح الفعل نفسه؛ فما يكون مناسباً في لحظة قد يفقد قيمته في أخرى، وما ينجح لا يتحدد بصحته المجردة فقط، بل بملاءمته للسياق والغاية والوقت. ومن هنا يرتبط حسن التصرف بقدرة الإنسان على قراءة الوضع، والموازنة بين الممكنات، وتعديل الفعل حين تتغير الظروف؛ أي بنوع من الحكمة العملية التي تعرف ماذا تفعل، وكيف، ومتى.
ويكشف هذا المعنى محدودية اختزال الزمن في السرعة والكفاءة. فالحياة المعاصرة تميل إلى قياس النجاح بما يمكن إنجازه في وقت أقل، بينما يبين الكتاب أن الزمن المناسب قد يكون زمناً للانتظار أو التريث أو التأمل. فليس البطء نقيضاً للكفاءة دائماً، كما أن السرعة ليست فضيلة في ذاتها؛ إذ تتحدد قيمة كل منهما بحسب الفعل الذي نمارسه والغاية التي نطلبها. ومن هنا يظهر التوتر بين زمن اقتصادي يُراد ضغطه واختصاره باستمرار، وزمن معيش تتغير قيمته بحسب ما يحتاجه الموقف. فامتلاك الوقت لا يعني ملأه بأكبر عدد من الأفعال، بل القدرة على إعطاء كل فعل الزمن الذي يقتضيه.
وفي هذا السياق يأتي المشي بوصفه مثالاً على استعادة هذا الزمن المعيش؛ فهو يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمكان وبجسده معاً. ففي المشي ليس الطريق مجرد مسافة بين نقطتين، وإنما مجالاً للملاحظة والتوقف وتغيير الاتجاه والاستجابة لما يظهر أثناء الحركة. ولهذا يتجاوز معناه الانتقال الجسدي ليصبح ممارسة معرفية؛ تتداخل فيها حركة الجسد مع حركة الفكر، وتتيح إيقاع الخطوات للفكرة أن تتحرر من صرامة المسار المخطط، وأن تستدعي الذاكرة وتعيد ترتيب الخبرة. وبهذا يصبح التفكير فعلاً يجري داخل العالم لا من خارجه، كما يصبح المكان جزءاً من تكوين الفكرة لا مجرد خلفية لها.
وإذا كان المشي يعيد تشكيل إدراك العالم من خلال الجسد والمكان، فإن الخيال والاستعارة يعيدان تشكيله من خلال الصورة واللغة؛ فالإنسان لا يتلقى العالم بوصفه مجموعة وقائع صامتة، بل يدركه من خلال الصور والذكريات والتوقعات والعلاقات التي يقيمها بين الأشياء. لذلك لا تكون الاستعارة مجرد زينة لغوية كما يؤكد الكتاب في أكثر من موضع، وإنما طريقة لإعادة تنظيم الرؤية وكشف صلات لم تكن ظاهرة من قبل، كما لا يكون الخيال نقيضاً للواقع، بل أحد العناصر التي يسهم بها الإنسان في صناعة معنى العالم الذي يعيشه.
قيمة الكتاب وحدوده
تكمن قيمة كتاب (بئر طاليس) في أنه يعيد اليومي من هامش التفكير إلى مركزه، بوصفه المجال الذي تتشكل فيه علاقتنا بالزمن والمكان واللغة والعمل والاستهلاك والآخرين وأنفسنا. وتنبع قوته من كشف طبقات الحياة اليومية المتداخلة، وربط موضوعات تبدو متباعدة مثل العادة والتكرار، والانتباه، والاستعمال، والمشي، والخيال، والعمل والمقاومة. كما يحسب للكتاب تجنبه الاختزالات السهلة؛ فلا يجعل اليومي مرادفاً للرتابة أو الخضوع، ولا يقدمه فضاءً حراً للمقاومة، بل يكشف ازدواجيته بوصفه مجالاً تعمل فيه قوى التطبيع والاعتياد، وفي الوقت نفسه تنفتح داخله إمكانات لإعادة الاستخدام والمناورة والابتكار. ومن هنا تبدو إضافته الأهم في إعادة وصل الفلسفة بالحياة المعيشة، وتدريب القارئ على رؤية ما تحجبه الألفة، من غير التخلي عن العمق المفهومي.
أما حدود الكتاب فتتصل باتساع أفقه نفسه؛ فكثرة المسارات والمفاهيم تمنحه ثراءً، لكنها تجعل بعض القضايا تُفتح أكثر مما تُستكمل، وتترك أحياناً مفاهيم متجاورة دون أن تنتظم في بناء تفسيري واحد. ويظهر ذلك خصوصاً حين ينتقل من تحليل خبرة الفرد وممارساته إلى الشروط الاقتصادية والمؤسسية والسياسية التي تصوغ هذه الخبرة، والتفاوت في قدرة الأفراد والجماعات على تعديلها. فالكتاب يبرع في إظهار حضور العمل والاستهلاك والسلطة والتقنية داخل اليومي، لكنه أقل إحكاماً في تفسير البنى التي تصوغ هذه الخبرة وترسم هامش المناورة داخلها. ويظل بذلك سؤال؛ متى تمثل التكتيكات اليومية قدرة فعلية على التغيير، ومتى لا تتجاوز كونها تكيفاً ذكياً مع بنية تبقى على حالها؟ مفتوحاً؛ وإن لم يعد المؤلف بالإجابة عنه، فهو من الأسئلة التي تنشغل بها فلسفات اليومي، وتسعى في جانب كبير منها إلى بناء أطر للتفكير فيه قبل ادعاء حسمه.
من الفكرة إلى الممارسة
تكمن أهم إمكانية عملية يفتحها الكتاب في استعادة الانتباه إلى ما حجبته الألفة؛ فاليومي لا يفتقر إلى المعنى بقدر ما يحجب التكرار معناه، حتى تبدو عاداتنا وطرائق استخدامنا للوقت واللغة والأشياء أموراً طبيعية لا تستدعي السؤال أو المراجعة. ومن هنا لا يبدأ التغيير بالضرورة من القطيعة مع الحياة المعتادة، بل من إبطاء الاستجابة التلقائية وخلق مسافة تسمح بمراجعة ما نفعله؛ ما الذي نختاره فعلاً، وما الذي نكرره لأنه المعتاد، وكيف تعيد أنماط العمل والاستهلاك والسرعة تشكيل سلوكنا من غير وعي. وتتيح هذه المراجعة التمييز بين ما فُرض أو خُطط له وبين كيفية استعماله، بما يفتح مجالاً لتعديل العادة واستعادة قدر من الفعل داخل ما يبدو ثابتاً.
وعلى هذا الأساس تكتسب ممارسات مثل القراءة والمشي والحوار والإنصات والانتباه للحاضر قيمة تتجاوز وظائفها المباشرة؛ إذ تتحول إلى تمارين على مراجعة اليقين، وإعادة اكتشاف المكان، وتعليق الحكم، وحسن تقدير اللحظة المناسبة للفعل. ولا يدعو الكتاب إلى التخلص من العادة أو النظام، وإنما إلى مقاومة تحولهما إلى إغلاق كامل لإمكان الاختلاف والتجدد. فليست كل لحظة مناسبة للتغيير، ولا كل انقطاع تحولاً حقيقياً، وإنما تكمن الحكمة العملية في التقاط الفرص التي تسمح بإعادة توجيه ممارسة أو استعمال أو عادة. وبذلك تنتقل الفلسفة من معرفة عن الحياة إلى ممارسة داخلها، ويغدو التغيير سلسلة من تحولات صغيرة تعيد للإنسان مساحة من الوعي والاختيار.
الخاتمة
ينتهي كتاب (بئر طاليس) بالعودة إلى الصورة الافتتاحية؛ فمشكلة طاليس لم تكن في رفع رأسه نحو السماء، بل في المسافة التي نشأت بين النظر وما يُعاش. ومن ثم لا يكمن الحل في الانكفاء على القريب أو رفض التجريد، وإنما في إعادة وصل الفكرة بالحياة التي خرجت منها. فاليومي ليس نقيض التفكير ولا مستواه الأدنى؛ إنه المجال الذي تختبر فيه الأفكار معناها، حيث تتكون العادات، وتُتخذ القرارات، ويُستعمل الزمن واللغة والمكان، وتتحول البنى الاقتصادية والاجتماعية إلى تفاصيل ملموسة في العمل والاستهلاك والعلاقات. ولذلك لا يحتاج اليومي إلى معنى نضيفه إليه من الخارج، بقدر ما يحتاج إلى نظر يزيل عنه ما راكمه الاعتياد من بداهة.
ويعيد الكتاب بذلك الفلسفة إلى إحدى وظائفها الأصيلة؛ أي إعانة الإنسان على فحص طريقة عيشه، بدل الاكتفاء بتفسير العالم من مسافة. ومن هنا يعود سؤال اليومي، في صورته الأعمق، إلى السؤال الفلسفي الأقدم؛ كيف نعيش؟
اكتشاف المزيد من ماسنجر المسلم
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.