ما يهم المسلم

التربية الأسرية وبناء الاستقلال .. كيف ندعم أبناءنا دون مصادرة حقهم في التجربة؟


مع تعدد مصادر المعرفة التربوية، وازدياد اهتمام كثير من الآباء بتوفير بيئة آمنة لأبنائهم، قد يتجاوز هذا الحرص حده المتوازن أحيانا، ويتحول من حماية للنمو إلى إبطاء له، ومن دعم للشخصية إلى إدارة مستمرة لقراراتها. يتبادر سؤال تربوي مهم يلامس فلسفة التربية ذاتها: هل تتمثل وظيفة الأسرة في حماية الأبناء من تحديات الحياة أم في إعدادهم لخوض غمارها؟

ينبع هذا التساؤل من ضرورة التمييز بين رعاية تبني الإنسان، وأخرى قد تمنع الأبناء من بناء أنفسهم والاعتماد على ذواتهم ، وقد يغفل المربي أحيانا فلا تعد كل مساعدة يقدمها بأنها من باب التربية، ولا تمثل كل حماية إعدادا للحياة بالضرورة.

إن من أخطر ما يقع فيه بعض الآباء والأمهات الاعتقاد بأن نجاحهم التربوي يقاس بقدرتهم على إزالة العقبات من طريق أبنائهم، بينما يظهر أثر التربية المتوازنة في مدى استعداد الأبناء للتعامل مع تلك العقبات بأنفسهم عندما يواجهونها.

مصادرة التجربة والتدخل المفرط

من أبرز ممارسات التدخل الوالدي المفرط ما يمكن التعبير عنه بأنه نوع من “مصادرة التجربة”، بحيث يتحول كل موقف تربوي من تجربة وفرصة جديدة يعيشها الابن إلى قرار يتخذه الآخرون نيابة عنه، وعندما يتخذ الوالدان القرارات نيابة عن أبنائهما ويسارعان إلى حل مشكلاتهم قبل أن يحاول الأبناء حلها، ويتدخلان في تفاصيل حياتهم اليومية بدافع الخوف فإنهما يضيقان مساحة الاختيار والتعلم المتاحة لهم.

لا تنتقل الخبرة كاملة بالتلقين، ولا تنشأ الحكمة بإسداء النصيحة وحدها، وإنما يترسخ قوامها بالممارسة التطبيقية والمراجعة المستمرة. ويتسق هذا المعنى مع ما ذكره ابن خلدون في مقدمته عن اكتساب الملكات حيث فرق بين إدراك المسألة ذهنيا وبين تشكل ملكة راسخة تمنح صاحبها مهارات الحذق والتصرف في العلم، وهي ملكة لا تستقر إلا بشرط التمرن وتكرار الممارسة [1]. كذلك لا يولد الإنسان مستقلا أو قادرا على تحمل المسؤولية بصورة مكتملة. والاستقلال المقصود هنا الاستقلالية النفسية والسلوكية المتدرجة، لا الانفصال عن الأسرة أو الاستغناء عن الآخرين. وقد يسهم منح الطفل أو المراهق مساحة آمنة لاتخاذ قرارات تناسب عمره، وتحميله مسؤوليات تتوافق مع قدراته، في بناء الكفاءة الذاتية لديه والثقة بقدرته على التعامل مع المشكلات.

أما إذا نشأ الابن في بيئة تتولى التفكير عنه، وتصحح أخطاءه قبل أن يكتشفها، وتمنع عنه جميع تبعات أفعاله، فقد يحقق بعض صور النجاح التي تعتمد على متابعة الوالدين وتدخلهما، مع بقاء جوانب من الكفاءة الذاتية والقدرة على مواجهة المشكلات أقل نموا.

الرعاية الداعمة والحماية الزائدة

وينبغي التمييز بوضوح بين الرعاية الداعمة والحماية الزائدة، لأن الرعاية الداعمة تسهم في تهيئة بيئة نفسية وعلائقية تسمح للأبناء بالنمو وممارسة قدراتهم، بينما تتجاوز الحماية الزائدة ذلك إلى أن يحل الوالدان محلهم باستمرار في التفكير والاختيار وحل المشكلات.

تظهر الأبحاث الحديثة في مجال النماء الأسري أثر الممارسات الوالدية على استقلالية الأبناء؛ فقد كشف بحث تناول التفاعلات اليومية للمراهقين أن التدخل الوالدي المفرط كالخوض في الشؤون الخاصة، والقلق غير المبرر، وتقديم مساعدة لا يحتاجونها، ينظر إليه المراهقون على أنه صورة من صور التحكم النفسي وتقويض استقلاليتهم [2]. وأكدت الأدبيات التربوية عدم إمكانية اختزال جميع أشكال التدخل في مفهوم “الحماية الزائدة” لأن الحكم السليم يرتكز على مدى حاجة الابن الفعلية، ومدى ملاءمة المساعدة لعمره وقدراته، وما إذا كانت تسهم في نمو تعلمه الذاتي أم تحل محله بصورة دائمة، وأفادت المراجعة المنهجية الشاملة والمعنونة بـ (Parenting in Context: A Systematic Review of the Correlates of Autonomy Support) أن التربية الداعمة للاستقلالية تتشكل عبر تفاعل مركب بين خصائص الطفل، وسمات الوالدين النفسية والاجتماعية، والعوامل المحيطة بالأسرة، مما يُوجب تبني منظورٍ بيئي-اجتماعي يتجنب الأحكام التبسيطية على الأسر، ويقرأ الممارسة التربوية في سياقها الأوسع [3].

اقرأ أيضا

إسهامات علماء المسلمين في تربية الطفل .. من التراث إلى المعاصرة
التربية الأخلاقية في حياة الطفل

لماذا تحتاج الاستقلالية إلى الممارسة؟

تفسر نظرية تحديد الذات (Self-Determination Theory) أهمية الاستقلالية في النمو النفسي، وتشير إلى تأثر رفاه الفرد ودافعيته الذاتية بمدى إشباع حاجاته النفسية الأساسية المتمثلة في الاستقلالية، والكفاءة، والارتباط بالآخرين [4]. ولا تعني الاستقلالية في هذا السياق أن يفعل الفرد ما يشاء دون قيود، إنما أن يشعر بأن سلوكه نابع من قيمه.

لقد أوضحت أعمال عالم النفس الاجتماعي ألبرت باندورا أن مفاهيم الكفاءة الذاتية تتشكل من مصادر متعددة، ويأتي في مقدمتها ما يعرف بـ “خبرات الإتقان” التي يكتسبها الفرد من أدائه الفعلي ونجاحه في مواجهة المهام، إلى جانب التعلم من نماذج الآخرين، والإقناع اللفظي، وطريقة إدراك الحالات الانفعالية والجسمية وتفسيرها، ولا يكتسب الطفل الثقة في ترتيب شؤونه بإخباره فقط بأنه قادر، وإنما بتكليفه بمهام مناسبة، ومساعدته على مراجعة أدائه [5]، مما قد يحد تقليل فرص الأبناء في المحاولة الذاتية المناسبة لأعمارهم من استفادتهم من أحد المصادر الأساسية لبناء الكفاءة الذاتية.

السعي والمسؤولية الفردية

تضيف الرؤية الإسلامية بعدا آخر إلى هذا التصور يتصل بمسؤولية الإنسان الأخلاقية عن سعيه وعمله. يقول الله تعالى: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى } [النجم: 39–40] [6]. تقرر الآيتان أن الإنسان يجزى بسعيه، وأن عمله سيرى يوم القيامة ويجازى عليه. ونستفيد من الآيات دلالة تربوية ضمن هذا المعنى تتمثل في تعويد الأبناء على السعي وتحمل التبعة المناسبة لأعمالهم، مع بقاء السياق الأصلي للآيتين متعلقا بالجزاء والمسؤولية الفردية.

ويقول سبحانه عز وجل: { كل نفس بما كسبت رهينة } [المدثر: 38] [7]، أي أن النفس مرتهنة بعملها ومؤاخذة بكسبها، ويستفاد من هذا المعنى عبر تعويد الأبناء على تحمل النتائج الطبيعية والملائمة لأفعالهم. ويشرح الراغب الأصفهاني الدلالات اللغوية للسعي والكسب فيذكر أن السعي يستعمل للجد في الأمر، خيرا كان أو شرا، ويعرف الكسب بأنه ما يتحراه الإنسان مما فيه اجتلاب نفع وتحصيل حظ [8].

وتتجلى في السنة النبوية المطهرة شواهد أصيلة تؤصل لاعتبار الخبرة الإنسانية والتجربة العملية في الشؤون الدنيوية من أبرزها حادثة تأبير النخل، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي مر بقوم يلقحون، فقال: “لو لم تفعلوا لصلح”، قال: فخرج شيصا (أي تمرا رديئا)، فمر بهم فقال: “ما لنخلكم؟” قالوا: قلت كذا وكذا، قال: “أنتم أعلم بأمر دنياكم [9] .وهذا التوجيه النبوي يؤسس لمبدأ التعلم بالمحاولة والخطأ، وتمكين الأبناء من بناء خبراتهم الذاتية من خلال الممارسة الميدانية مما يجسد نموذجا تربويا متميزا يقوم على التوجيه المرن دون مصادرة للإرادة، ويتيح مساحة رحبة للتجريب ومتابعة مخرجاته بالتقييم والنقاش الهادف، وبذلك يغرس هذا المنطلق الكفاءة الذاتية والاعتماد على النفس في إدارة الشؤون الخاصة وتحمل المسؤولية، تحت مظلة رعاية واعية توازن ببراعة بين الإرشاد الأبوي ومنح الاستقلالية.

وفي سياق متصل، جاء في صحيح مسلم قوله : “احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز”، وفيه توجيه جامع يحث على ارتياد المنافع، وبذل الجهد، وملازمة الاستعانة بالله، ونبذ الاستسلام للعجز؛ وهي مرتكزات جوهرية يمكن الإفادة منها في تعزيز روح المبادرة لدى الناشئة، وبناء صلابتهم النفسية لمواجهة تحديات الحياة ومتغيراتها.

الخطأ فرصة للتعلم

يشير تحليل تلوي لأبحاث “الفشل المنتج” ( أسلوب إحصائي يدمج ويحلل نتائج دراسات مستقلة متعددة تتناول نفس السؤال البحثي، بهدف توحيد الاستنتاجات المتفرقة ورفع دقتها وموثوقيتها العلمية) إلى أن البدء بمحاولة حل المشكلة قبل تقديم التعليم المباشر قد يعزز التعلم المفاهيمي ونقل المعرفة، مقارنة بتقديم التعليم أولا لا سيما عندما تصمم المهمة وفق مبادئ واضحة، وتعقب المحاولة مرحلة يبني فيها المعلم على حلول المتعلمين، ويوضح مواطن النقص، ويقارنها بالحل الصحيح [11]. ولم تكن النتائج متساوية في جميع المراحل العمرية، لذلك ينبغي مراعاة عمر المتعلم ومعرفته السابقة وطبيعة المهمة. ويمكن الاستئناس بهذا المبدأ تربويا من غير تعميمه على جميع أخطاء الحياة اليومية.

وتتاح للطفل عندما يتحمل نتيجة طبيعية وآمنة لنسيانه أو سوء تخطيطه فرصة لفهم العلاقة بين القرار والنتيجة. ويشترط في تلك النتيجة أن تكون آمنة، ومتناسبة مع عمره، ومرتبطة بالفعل نفسه، ومصحوبة بحوار يعينه على مراجعة ما حدث، وتخلو من التخويف أو الإذلال.

التدرج في بناء الاستقلالية

لا تبنى الاستقلالية لدى الأبناء دفعة واحدة وإنما بشكل تدريجي، وتختلف صور دعم الوالدين للاستقلالية باختلاف المرحلة العمرية، كذلك الأساليب الملائمة لقياسها تتغير من الطفولة المبكرة والمتوسطة إلى مراحل المراهقة [12].

إن الطفل الصغير يحتاج إلى فرص بسيطة للاختيار والاستكشاف، ضمن توجيه يتناسب مع مستوى نموه، بينما يمكن منح الطفل الأكبر مساحة أوسع للمحاولة وحل المشكلات. أما المراهق، فيحتاج إلى الاستماع إلى وجهة نظره، وإشراكه بصورة متدرجة في القرارات التي تخصه، مع استمرار التوجيه ووضع الحدود المتعلقة بالسلامة والقيم وحقوق الآخرين.

وبذلك تتجنب التربية المتوازنة وضع الأبناء أمام خيارين متناقضين: الحرية المطلقة أو الحماية الزائدة. والمطلوب هو الجمع بين إتاحة الاختيار، والتوقعات الواضحة، والتوجيه المتناسب مع العمر. ويقدم الوالدان الدعم وفق حاجة الابن ومستوى قدرته، ثم يخففان مقدار تدخلهما تدريجيا مع نمو قدرته على إدارة المهام والتأمل في قراراته، مع بقائهما مصدرا للإرشاد والدعم.

وتشير الأدبيات المتعلقة بمشاركة الوالدين في تعلم الأبناء إلى أن أثر المشاركة لا يرتبط بمقدارها وحده، بل بالطريقة التي تمارس بها أيضا؛ فقد ارتبطت المشاركة الداعمة للاستقلالية لدى أطفال في الصفوف الرابع إلى السادس بدافعية مستقلة وكفاءة مدركة ودرجات أعلى، وبقلق مدرسي أقل [13]. ولا تعني هذه النتيجة انسحاب الوالدين من تعليم أبنائهم، وإنما تشير إلى أهمية أن تكون مشاركتهما داعمة للتفكير والمحاولة، لا قائمة على التحكم أو إلغاء دور الطفل في تعلمه.

وتبدأ التطبيقات العملية من تفاصيل الحياة اليومية، بشرط التناسب مع العمر والقدرة والبيئة. وقد يكلف الطفل بإنجاز مهمة منزلية، أو ترتيب حاجاته، أو الاختيار بين بدائل مناسبة. وقد يسمح للطفل الأكبر أو المراهق بإدارة جزء من مصروفه، أو التخطيط لوقته، أو التفكير في حل مشكلة قبل تقديم الحل له.

ومن خلال هذه الممارسات يتعلم الابن أن لأفعاله أثرا، ولقراراته نتائج، وأن المسؤولية لا تمثل عقوبة، وإنما طريق إلى النضج. وقد يسهم تكرار هذه التطبيقات، مع التوجيه والمراجعة، في ترسيخ الكفاءة الذاتية والقدرة على اتخاذ القرار.

المسؤولية غاية التربية

يمكن أن يسهم بناء الاستقلالية النفسية من المنظور الاجتماعي في إعداد أفراد أكثر مبادرة وقدرة على اتخاذ القرار وتحمل نتائجه، وهي خصال تحتاج إليها المجتمعات الساعية إلى الإبداع والإنتاج. وتبدأ مسؤولية الأسرة من غرس معنى المسؤولية في نفوس أبنائها، وإتاحة الفرصة لهم لممارستها بصورة متدرجة.

ومن مؤشرات نجاح الأسرة قدرتها على تهيئة الأبناء للتعامل مع الصعاب بعقولهم وقيمهم وتوكلهم على الله وثقتهم به. ولا تهدف التربية إلى نقلهم من الاعتماد على الآخرين إلى الاستغناء عنهم تماما، وإنما إلى نقلهم تدريجيا من الاعتماد الكلي على الوالدين إلى ممارسة استقلال متدرج ومسؤول، مع القدرة على طلب المساعدة والاستفادة من الآخرين عند الحاجة.

ولا تقتصر غاية التربية على النجاح الشخصي، وإنما تشمل تنشئة الإنسان على عبادة الله، وتحمل أمانة العمل، ونفع الآخرين، وتهيئهم لتحمل مسؤولية أعمالهم، والإسهام في عمارة الأرض ونفع الناس، ليكونوا مصدر خير لأسرهم ومجتمعاتهم.

وتؤدي الأسرة في هذا البناء دورا أساسيا حيث تعد البيئة الأولى الاكتساب القيم عبر مراقبة سلوك الوالدين وممارساتهما اليومية، قبل أن يتعلمها من التوجيه اللفظي المباشر، ولذلك تحتاج التربية إلى إتاحة فرص الممارسة والعمل وتحمل المسؤوليات المناسبة للعمر، حتى تتحول القيم والمعارف إلى عادات وقدرات راسخة. ويتسق هذا التصور مع معالجة عبد الرحمن النحلاوي لغاية التربية الإسلامية، ومهمة الأسرة، والتربية بالممارسة والعمل [14].

الخلاصة

يكمن التحدي التربوي في نوع المساعدة المقدمة من الوالدين وغايتها واستمرارها. وتسهم المساعدة التي تفتح للابن طريق المحاولة وتترك له مساحة للعمل في بناء قدرته. وقد تؤجل المساعدة المفرطة نضجه، مهما حسنت النوايا. بينما تمنح التربية المتوازنة الأبناء رعاية تشعرهم بالأمان، وحرية تسمح بالتجربة، وحدودا تحميهم، ومسؤولية تؤهلهم للنضج، ليكونوا أقدر على اتخاذ القرار والتوكل على الله مع حسن الأخذ بالأسباب.


اكتشاف المزيد من ماسنجر المسلم

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من ماسنجر المسلم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة