ما يهم المسلم

فلسفة الأعمال وأثرها في الإسلام والكون


1. قصة المسمار والحائط: البداية مع أثر الإساءة والاعتذار

كان الولد كثير الإساءة لزملائه وجيرانه، أراد والده أن يحد من نزعة الشر هذه فقال: إذا أسأت إلى شخص فثبّت مسمارا في الحائط، فوجيء الولد بعد فترة قصيرة بأن الحائط قد امتلأ بالمسامير التي يدل كل واحد منها على إساءة؛ قد تكون كلمة نابيه أو نظرة احتقار أو أذى جسدي ألحقه بالمحيطين به، شعر الولد بحجم جريمته وأراد أن يصحح أخطاءه، فقال له والده: إذا اعتذرت بشكل مناسب لمن أسأت في حقه فانزع مسمارا من الحائط، أثبتت هذه الطريقة جدواها في توقف الولد عن الإساءة والمسارعة إلى الاعتذار ومن ثم نزع المسامير الواحد تلو الآخر وبشر والده بنجاح الفكرة، ذهبا معا لكي يريا الحائط الذي ظهر بعد أن كان مغطى بالمسامير، سُر الوالد لكن لفت نظر ابنه إلى قضية جوهرية قائلا: لقد اعتذرت ونزعت المسمار من الحائط لكن لازالت آثار المسمار بادية والحائط يحتاج إلى مزيد من الترميم لكي يعود كما كان.

هذه القصة الحقيقية أو المتخيلة تمثل نموذجا لما تحدثه أعمالنا من آثار طيبة أو خبيثة على عقولنا وأرواحنا وعلى من حولنا من أصدقاء وأقارب ومعارف، بل على الكون كله وقد لفت القرآن الكريم أنظارنا إلى أهمية التدقيق في آثار أعمالنا من خلال الآية الكريمة التي تتناول ونكتب ما قدموا وآثارهم في قوله تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: 12] كتابة الأعمال أمر معروف لدينا لكن آثار الأعمال تكتب أيضا، قال ابن عاشور رحمه الله:

«وأما الآثار فهي آثار الأعمال وليست عين الأعمال بقرينة مقابلته ب “ما قدموا”.»(1)

وآثار الأعمال لا تتوقف على أصحابها فحسب بل على الكون كله ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41] فما كسبته أيدي الناس أثّر على البر الذي يعيشون عليه و على البحر الذي يرتاده بعضهم وينتقل من خلاله الأشخاص والبضائع وهو مليء بالأرزاق التي انتفع ببعضها الإنسان ولا زال فيه أرزاق كثيرة، وبالجملة حرم الإنسان من الخيرات التي أودعها الله في الكون بسبب ما جنته يده.

2. آثار رحمة الله والتفاؤل في القرآن الكريم

ومن عبادة النظر في آثارنا ضبطا للعمل إلى عبادة النظر في آثار رحمة الله ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: 50] آثار رحمة الله تتجلى على الكون كله حين يمده بالأرزاق ويحميه من الهلاك ويؤجل العقوبة لكي يتمكن الجاني من الإصلاح ويُنزل سبحانه وتعالى البلاء مصحوبا باللطف الإلهي، هذه النظرة إلى آثار رحمة الله تزيد من إيمان الإنسان بقدرة الله تعالى وعظمته وتفتح أبواب التفاؤل على مصراعيها، ذلك أن المصيبة مهما عظمت رحمة الله تعالى أعظم والبلاء مهما كان كبيرا فالله تعالى أكبر، ولن يتمكن من الشعور بهذه الحقائق إلا شخص ينظر في آثار رحمة الله فيعود إلى نفسه وقد امتلأت بحسن الظن بالله تعالى وقرب فرجه جل جلاله وأنه سبحانه سيجعل بعد عسر يسرا.

3. هل يكون التأثير كبيرا أو محدودا في العبادات؟

أحد الإشكالات المحيرة التي يتعرض لها الشباب ومن ينظرون في حال المتدينين؛ مسألة تأثير العبادات على السلوك وذلك حين يرى شخصا يحرص على الصلوات الخمس جماعة في الصف الأول، لكن معاملته لجيرانه سيئة وتعاملاته المالية ليس فيها أدنى ما يمكن أن يوصف بالإحسان أو العدل، بل إن علاقاته الاجتماعية سامة. معرفة حدود تأثير العبادات على قلوب العابدين تريحنا من كثير من العناء، بعض الناس يدخل للصلاة وهي عبادة تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات بالإضافة إلى النوافل والسنن الرواتب، يدخل إلى هذه الصلاة لكي يؤديها ولا ينتظر أن يكون لها تأثير في قلبه أو عقله أو روحه أو علاقاته، إنه يؤدي الصلاة فحسب، لذلك لا تتعجب إذا وقع في مخالفة شرعية جسيمة بعد أن ينتهي من الصلاة بل أحيانا بعد السلام مباشرة، وتتسائل متعجبا هل كان هذا الرجل في صلاة؟؟!

نعم كان يركع ويسجد لكن لم ينو أن يسجد قلبه ويطهر لسانه، كان ينوي أن يسقط الفريضة عنه حتى لا يسأله الله تعالى، لماذا لم تصلي؟ وقد نبهنا النبي إلى تفاوت تأثير الصلاة على المصلين «‌إِنَّ ‌الرَّجُلَ ‌لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ تُسْعُهَا ثُمْنُهَا سُبْعُهَا سُدْسُهَا خُمْسُهَا رُبْعُهَا ثُلُثُهَا نِصْفُهَا»(2) وقل مثل ذلك في كل الأعمال الصالحة؛ قد يكون التأثير محدودا وقد يكون كبيرا يقلع الشر من جذوره، وذلك حسب صلاح العمل وإقبال العبد على ربه سبحانه «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا يُصَلِّي بِاللَّيْلِ، فَإِذَا أَصْبَحَ سَرَقَ! قَالَ: ” إِنَّهُ سَيَنْهَاهُ مَا تَقُولُ “»(3) إنه يصلي بالليل وصلاة الليل نافلة ومعنى ذلك أنه ملتزم بالفريضة ومع ذلك يسرق؛ بدءا من التطفيف في الكيل والميزان، إلى أخذ مال الغير بغير حق، وفي عصرنا يمكن أن نضيف إلى سرقة الأموال سرقة الجهود.

والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه كيف تترك الصلاة أثرها على قلب المصلي وسلوكه؟؟ تترك الصلاة أطيب الاثار على المصلي إذا واظب عليها، وحسّن من طريقته في أداءها، وتمرن على أن يكون قلبه حاضرا فيها، ستحدث الصلاة تأثيرها الذي قال الله تعالى عنه ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45] ستصل هذه الصلاة إلى مستوى من قوة التأثير على سلوك صاحبها أن تمنعه من الشرور التي يقع فيها.

إن للصلاة تأثيرا على روح الإنسان وعلى بدنه {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ}[الفتح: 29] فإذا سجدت لله تعالى ينبغي أن أسأل نفسي، كم أشعر بالتواضع والقرب منه سبحانه فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد؟ وإذا سجدت كم يؤثر ذلك في صدري انشراحا وراحة وكم يؤثر في تعاملاتي سماحة وبرا بالأقارب والأباعد؟

4. التأثير الممتد للأعمال الصالحة (الصدقة والعلم النافع)

هناك تأثير للأعمال ممتد وامتداده يتجاوز عمر الإنسان، وإذا أردنا أن نتبين ذلك فعلينا أن نأخذ مثلا كتاب كصحيح الإمام البخاري، كيف امتد تأثيره ونفعه إلى قرابة اثني عشر قرنا بعد وفاة البخاري رحمه الله وسيظل بتوفيق الله تعالى، ويرشدنا النبي – صلَّى الله عليه وسلم – إلى امتداد تأثير بعض الأعمال فيقول: “إذا ماتَ الإنسانُ انقطَعَ عنه عملُه إلا من ثلاثةِ أشياء: مِن صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنْتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعُو له”(4)، إن العمل قد توقف بالموت فالميت في قبره لا يستطيع أن يزيد من رصيد حسناته لكن آثار الصدقة الجارية والعلم النافع ودعاء الولد الصالح يبقى ممتدا.

بل إن الناس تدرك أن ما يقوم به الإنسان من عمل صالح وخلق كريم وسلوك طيب هو أحد آثار التربية الحسنة التي تلقاها من والديه، لذا تجدهم لا شعوريا يعبرون عن شكرهم لمن أحسن إليهم بتقديم مساعدة بقولهم:” يرحم والديك” فمن أراد أن ينال نصيبه من الدعاء بالرحمة حيا وميتا فليحسن تربية أبنائه وليرشدهم إلى تقديم الخير للناس.

5. الحكمة الإلهية في إمهال المخطئين وعدم وقوع آثار الذنب فوراً

نحن نوقن أن كل عمل صالح أو سيء يترك أثره على صاحبه لكن رحمة الله تعالى تفسح المجال فيمهل الله تعالى المخطأين لعلهم يتوبون إلى ربهم ويصححون طريقهم ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ [النحل: 61]

6. تأثير خطبة الجمعة والمواعظ في تزكية النفوس

والسؤال الجوهري عندما ندخل إلى المسجد أو مواقع التواصل لنسمع موعظة أو خطبة هل نبحث عن أثر هذه الموعظة على نفوسنا؟ بل قبل ذلك هل من يتحدث واعظا أو موجها يريد أن يترك أثرا على عقول من يسمعونه وقلبوهم أم أنه يريد أن ينال إعجابهم فحسب؟ فإذا وصف الله تعالى ما أنعم به علينا من الوحي عندما قال ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس: 57] فأين نصيبي من الوعظ والشفاء والهداية والرحمة؟

7. قياس تأثير الكلمة الطيبة والجهود التربوية

قد نبحث عن أثر لكلامنا وجهودنا في التربية فلا نجد أو نجد تأثيرا ضعيفا، هل معنى ذلك أن هذه الجهود قد ذهبت مع الريح وعلينا أن نتوقف ؟؟ إن الذين يؤمنون بقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ﴾ [الكهف: 30] يراجعون أعمالهم ومستواها من الحسن وهم موقنون بأن هذه الجهود لا تضيع، وأن هناك من يُعِرض عن الحق وهناك من يُقبِل عليه، وأن كل كلمة أو عمل صالح كبذرة كامنة تحتاج تربة صالحة وماء مباركا وإذنا من الخلاق العليم أن تنبت وتزهر وتثمر، ثم إن على المسلم أن يعمل والنتائج على رب العالمين.

إن سبب تأليف صحيح البخاري وهو أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى تلقته الأمة بالقبول عبر الزمان والمكان، سبب هذا العمل العظيم كلمة، قال عنها الإمام البخاري رحمه الله:”كنت عند إسحاق بن راهويه، فقال لنا بعض أصحابنا: ‌لو ‌جمعتم ‌كتابا ‌مختصرا لسنن النبي فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع هذا الكتاب يعني كتاب الجامع”(5) هذه الكلمة خرجت من طالب علم لكن تأثيرها في قلب الإمام البخاري عظيم وفي حياة الأمة الإسلامية أعظم.

فلنسأل أنفسنا، ما هو الأثر الذي نتركه في محيطنا القريب أو البعيد حتى نجده يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا؟؟


اكتشاف المزيد من ماسنجر المسلم

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من ماسنجر المسلم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة